الفقر في مرحلة الطفولة له تأثير ضار على بنية الدماغ

لا تزال الأدلة تزداد وتثبت يوما بعد يوم أن هناك علاقة بين النشأة في بيئة فقيرة، وبين النمو العقلي والتحصيل الدراسي المنخفض. فالصلة بين الحالة الاقتصادية-اجتماعية والتحصيل الدراسي، وُثِّقت بصورة جيدة؛ فالأطفال الذين يعيشون في بيئات فقيرة، يميلون إلى تحصيل درجات منخفضة في الاختبارات العامة، وهم أقل احتمالية للتخرّج من المدارس الثانوية. تبيّن آخر الدراسات التي أُجريَت بالاعتماد على تصوير الدماغ أن من ينشأون بالاعتماد على دخل منزلي منخفض، سوف يؤثر ذلك على بنية أدمغتهم كما نرى في الحجم المنخفض للطبقة الرمادية في الدماغ. إن غالبية الأطفال الذين يدرسون في المدارس الأميركية ينتمون إلى أسر ذات دخل منخفض، وفقا لآخر إحصائات المركز الوطني للتعليم.

إن الاختلاف في الحالة الاقتصادية-اجتماعية يخلق حالة من عدم التكافؤ. فالأطفال الأكثر فقرا يكونون في فجوة أكاديمية متسعة مقارنة مع أقرانهم الأكثر ثراءا. وهذا يمثل أزمة لمستقبلنا الفردي والاجتماعي، والتي تتطلب معالجتها خلق حلول ذات جوانب متعددة للحد من الفقر وآثاره في مرحلة الطفولة.

لماذا تعتبر النشأة في بيئة فقيرة مؤثرة على بنية الدماغ؟

كما بينت الدراسة السابقة، فإن الطلاب ذوي الدخل المحدود يميلون إلى الشعور بمزيد من المعاناة والضغط في طفولتهم المبكرة؛ فهم أقل قدرة على إثراء المصادر التعليمية، ولا يتعرضون إلى مقدار كبير من اللغة المنطوقة والمفردات والمعاني في وقت مبكر من حياتهم. وعندما تجتمع كل هذه العوامل، فإنها تؤدي إلى تغييرات واضحة في بنية الدماغ، وتغيرات في المهارات المعرفية والتحصيل الأكاديمي القليل.

إن الجوانب المختلفة من الطفولة في بيئة فقيرة، حيث الضغوط الحياتية العالية وقلة الرعاية بسبب القيود المالية، تجتمع معا لتؤثر على بنية الدماغ ووظائفه. ومن الواضح أنه لو عمل الآباء من ذوي الدخل المحدود في وظيفتين بدوام كامل وبأجور قليلة لتغطية نفقاتهم، فلن يكون هناك متسع كافٍ من الوقت لتقديم الرعاية لأطفالهم.

في تدوينة نُشِرَت سنة 2012 على موقع psychologytoday، تحت عنوان: «البيئات الغنية تبني عقولا أفضل»، كتبتُ فيها حول فوائد البيئات الغنية في ازدياد حجم طبقة الدماغ الرمادية والتي تمت ملاحظتها في الحيوانات. من الناحية التاريخية، قد أظهرت البحوث حول الحيوانات أن البيئات المحفزة والرعاية الأبوية والحد الأدنى من الضائقات المالية، يكون لها تأثير إيجابي على بنية الدماغ وحجم الطبقة الرمادية. يزداد التأثير السلبي على الحيوانات في البيئات غير الغنية، والتي يكون الضغط فيها على مستوى عالٍ. ويمكن عكس وتطبيق هذه التأثيرات على الأطفال الذين يولدون في بيئات فقيرة.

في العادة، عندما نقارن بين الأطفال الذين يعيشون في بيئة فقيرة مع أقرانهم الأوفر حظا، فالأطفال الأكثر فقرا يحصلون على رعاية أبوية أقل، ويعيشون في مستويات عالية من الإجهاد اليومي وحالة من عدم الاستقرار الأسري وفرصٍ أكبر للتعرض للعنف. إن العوائل ذات الدخل المنخفض توفر مقدارا قليلا من التحفيز المعرفي لذويها بسبب التقشف. كل هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى التقليل من حجم الطبقة الرمادية في الدماغ.

 

المعاناة في فترة الطفولة تؤثر على حجم الطبقة الرمادية للفرد ومردوداته الحياتية.

نُشرَت دراسة سنة 2014 بعنوان: «التأثيرات النفسية والاجتماعية العامة والخاصة في الفترة المبكرة من حياة المراهقين، وتأثيرها على مستوى الطبقة الرمادية وحجمها»، والتي قادها الدكتور نيكولاس والاش Nicholas Walsh مستخدما تقنية التصوير الدماغي لأدمغة مراهقين تتراوح أعمارهم بين 17 و19 سنة. وجدت الدراسة أن أولئك الذين تعرضوا لمشاكل عائلية معتدلة بين فترة ولادتهم وسن الحادية عشر، أظهروا تطّورا قليلا في حجم المخيخ وحجم الطبقة الرمادية.

وقد كتبتُ تدوينة بخصوص هذه الدراسة، حملت عنوان: «مشاكل الأسرة في مرحلة الطفولة قد تعيق نمو دماغ الطفل». ووصف الدكتور نيكولاس والاش هذه التدوينة في بيان صحفي قائلا: «تَبيّن لنا أن التعرض لمثل هذه المشاكل العائلية في مرحلة الطفولة والمراهقة المبكرة من شأنه أن يؤثر على الدماغ النامي للمراهق. كما أننا نقول أن صغر حجم المخيخ قد يكون مؤشرا على تدهور الصحة العقلية فيما بعد. وأن الحد من التعرض لمثل هذه السلبيات المجتمعية قد يعزز من نمو الدماغ بصورة نموذجية ويقلل من خطر المشاكل الذهنية في الحياة».

نُشرَت دراسة في شهر مارس من سنة 2013 بعنوان: «الدخل العائلي وتربية الوالدين علاقتهما ببنية الدماغ لدى الأطفال والمراهقين»، والتي نُشرت على الإنترنت في مجلة Nature لعلوم الأعصاب، حيث قام فريق من الباحثين من تسع جامعات بإيجاد الصلة بين الدخل المالي للعائلة وبنية الدماغ.

إن العلاقة بين اختلاف البنية الدماغية والدخل الأُسري من أكثر العلاقات الدراماتيكية، خاصة في الأسر ذات الدخل المنخفض.  وآخر الدراسات، التي قام بها باحثون من جامعة ويسكونسن، استخدموا فيها التصوير الدماغي من أجل اختبار ما إذا كانت الاختلافات في نمو البنية الدماغية تلعب دوراً في الصلة بين الفقر في مراحل الطفولة وضعف الأداء الأكاديمي.

وبخصوص هذه الدراسة، قام سيث بولاك Seth Pollak، صاحب شهادة الدكتوراه في جامعة ويسكونسن، وزملاؤه بتحليل مسوحات التصوير الرنيني المغناطيسي لأدمغة 389 فردا من الأطفال والمراهقين الذين تتراوح أعمارهم ما بين الـ4-22 سنة. قام الباحثون بقياس قدرات الأطفال المعرفية واختبارات التحصيل الدراسي وحجم الطبقة الرمادية في مجمل الدماغ والفص الجبهي والفص الصدغي والحصين.

أظهر الأطفال من الأسر ذات الدخل المالي المحدود اختلافا في بنية الفص الجبهي والفص الصدغي ومنطقة الحصين. وعلل الباحثون أسبابهم في اختيار تلك المناطق قائلين: «كان اختيار المناطق الأمامية للدماغ، بما فيها الفص الجبهي،  لأن البحوث السابقة بيّنت أن هذه المناطق الدماغية لها أهمية خاصة في السيطرة على مناطق الاهتمام والكبت والتثبيط، وتنظيم العواطف والتعليم. أما الفص الصدغي، فنظرا لأهميته في مناطق الذاكرة والمناطق المسؤولة عن التعابير اللغوية، كتحديد الكلمات وفهم معناها وربط الأصوات المسموعة مع الحروف الأبجدية. ومنطقة الحصين، فهي تلعب دورا حاسما في معالجة المعلومات المكانية والسياقية وارتباطها الوثيق مع الذاكرة طويلة الأمد. وبأخذ هذه المناطق الثلاثة معا، فإن لها تأثير على مهارات الدماغ المعرفية، والتي تتضمن القراءة والفهم والاستخدام اللغوي والتعليم المترابط. كل هذه العوامل تؤثر على النجاح المهني والدراسي للفرد في حياته.»

وجد الباحثون أن مستويات الطبقة الرمادية في أدمغة الأطفال الذين يعيشون تحت مستوى خط الفقر، تختلف بنسبة 8-10%. هذه النتائج تؤكد الصلة المباشرة بين حجم الطبقة الرمادية في الدماغ والفقر في مرحلة الطفولة. وفي المتوسط، فالأطفال من الأسر ذات الدخل المنخفض سجّلوا 4-7 نقاط أقل في الاختبارات الموحدة. كما أن نسبة 20% من أسباب النتائج المنخفضة في الاختبارات يمكن تفسيرها بالتخلف في النمو في منطقتَي الفص الأمامي والصدغي.

وفي مؤتمر صحفي، قال بولاك: «إن النمو الطبيعي لهذه المناطق من الدماغ يُظهر حساسية الطفل تجاه بيئته، وهذه الملاحظات تهدف إلى أن التدخل من أجل تحسين بيئة الطفل من شانها أن تغير الصلة بين الطفولة الفقيرة والعجز المعرفي والأكاديمي».

 

الخلاصة: كيف لنا تقليل الفجوة المتسعة بين من يعيشون في بيئات غنية، ومن يعيشون في بيئات فقيرة؟

إن النشأة في بيئة فقيرة تولّد تأثيرا قويا باستطاعته أن يستمر مع الشخص طيلة فترة حياته. إن مثلث الفقر والنمو الدماغي والنتائج المنخفضة في الاختبارات يُنشئ حلقة مفرغة، تجعل من المستحيل لشخص ولد في بيئة فقيرة أن يصبح شخصا سويا ومُنجِزا.

إن تأثير الفقر على قدرة الطفل على التعلّم وصنع الإنجازات، له صلة مباشرة مع نمو الدماغ وحجم الطبقة الرمادية فيه. لقد استنتج بولاك وآخرون أنه من أجل أن نتجنب التكاليف الباهظة على المدى الطويل من أجل إصلاح الضعف الأكاديمي لأولئك الأطفال، فإن الأسر التي تكون تحت نسبة 150% من خط الفقر يجب أن تكون هدفاً للمصادر المالية الإضافية التي تهدف إلى تحسين بيئات الطفولة المبكرة.

إن الحملات التي تهدف إلى تحسين الواقع الطبقي المالي والاجتماعي، يجب أن تبدأ باستهداف البيئات التي يعيش فيها الأطفال تحت فقر وضغط وعدم مساواة شديدة. وهناك بعض طرق التدخلات الممكنة لتعويض أولئك الذين ينشأون في بيئات فقيرة، تتضمن: زيادة الإثراء المعرفي وتحفيزه، والتمويلات المالية التي تؤدي إلى ازدياد حنوّ الأهل على أولادهم، وتقليل الضغط الذهني على الأطفال الذي يؤثر على بنية الدماغ ووظائفه.

نأمل أن مثل هذه الأبحاث العصبية قد تؤدي إلى حشد الآباء والمربين وأصحاب القرار السياسي ليجعلوا من القضاء على الفقر إحدى أولوياتهم. إن الحد من الطفولة في بيئات فقيرة من شأنه أن يحسّن من نمو أدمغة الأطفال الذين ينتمون لطبقات اجتماعية واقتصادية متدنية على نحو كبير. وهذا من شأنه أن يخلق فرصا كثيرة ممكنة لكل الأطفال من أجل استغلال كافة قدراتهم البشرية.

المصدر: هنا

عن Qutaiba Yaseen

طالب طب اسنان، مهتم بالعلوم، يعشق الموسيقى و الأفلام.

تعليقات