الفلسفة التجريبية (الإمبريقية)

ترجمة: عقيل الأمير
بوستر: جوان حاج سليمان
—————————–

على عكس الفلسفة العقلانية الفضفاضة والتجريدية فإن الفلسفة التجريبية كانت تعد فلسفةً عملية وتطبيقية, تهدف الى توفير أجوبة تتميز بالنظرة السليمة باللغة اليومية. تشديد الفلسفة التجريبية على الدور الكبير الذي تلعبه الحواس جعلها مرافقاً مثالياً للعلم حيث سعت تلك الفلسفة الى إنشاء المعرفة إستناداً الى المشاهدة والتجربة.

المدرسة التجريبية تماثل الفلسفة العقلانية في أنها لم تكن مدرسةً موحدة حيث إختلف أعضائها على عدد كبير من النقاط. مع ذلك, إشترك التجريبيون في إعتقادهم أن المعرفة تُشتق وتُبرر بشكل نهائي من التجربة. بينما كانت العقلانية حركةً قاريةً, كانت التجريبية صادراً بريطانياً, فروادها الأساسيون كانوا الفيلسوف الإنكليزي “جون لوك” والفيلسوف الإيرلندي “بيشوب جورج بيركلي” والفيلسوف الإسكتلندي “ديفيد هيوم”. وأحياناً يضاف الى هذه الأسماء الفيلسوف الإنكليزي “فرانسيس بايكون” و”توماس هوبس”. وكأبرز رائد للفلسفة التجريبية, غالباً ما سنأخذ فلسفة “جون لوك”.

“جون لوك” نظر الى الفلسفة كطريقة لإزالة النفايات التي تعترض طريق المعرفة. ولكن أي نفايات تماماً؟ العقلانيون ناقشوا أن الأفكار العقلانية مطلوبة لفهم وتبرير المعرفة المستقاة من التجربة الحسية, لأن الحواس غالباً ما تخذلنا. الظاهرة الغير مفهومة كانت تفكك الى المبادئ العقلانية القائمة عليها من أجل أن تفهم, ولكن من أين أتت هذه الأفكار؟

العقلانيون إعتقدوا أن المبادئ العقلانية “فطرية” أو متأصلة في العقل منذ الولادة. لكن “جون لوك” إزدرى هذه الفكرة, وسخر من فكرة أن طفلاً أو أحمقاً غير متعلم بقدرته أن يعلم أن الإله موجود. مع ذلك, لم يقم العقلانيون بالإدعاء أن المعرفة لا تتطلب أي تجربة -فنحن نحتاج الى اللغة والإدراك لكي نفهم ونتواصل- بمجرد أنها لم تنشأ من التجربة. لكن “جون لوك” نبذ هذه الفكرة أيضاً: فإن كانت هذه الأفكار كامنة تنتظر التجربة لكي توقظها فلماذا لا نعتبر كل أفكارنا فطرية ونصل الى الإحتمال المثير للسخرية بأن التجربة لا تولد أي فكرةً مطلقاً؟

-تطور المعرفة
كيف, إذن, تطورت المعرفة؟ “جون لوك” إعتبر العقل ك”أرْدُوَاز خالٍ” يتلقى الأفكار المُعلمة كالمتفرج. مثل هذه الأفكار قد تكون بسيطة مثل الخصائص المفردة أو الإدراك الحسي (الحرارة, اللون, الضوء والشكل) أو الإستبصار (بأخذ العقل لأفكاره وأحاسيسه الداخلية). العقل نفسه لا يشكل جزءاً في عملية تكوين الأفكار البسيطة فهي أُحدِثَت من قبل الأشياء نفسها.

بعض الأفكار البسيطة -الخصائص الأساسية- هي تمثيلات صحيحة للأشياء. وهذه هي الخصائص الموضوعية والقابلة للقياس كالصلابة, الشكل, الحجم, الحركة, السكون والعدد. مع ذلك, الخصائص الثانوية كاللون, الصوت, الذوق, الرائحة والحرارة وغيرها من الأشياء الذاتية تقليدياً لا تمثل الشئ ولكنها توجد فقط في عقل المشاهد تسببها تأثيرات “قوى” ذلك الشئ على الحواس. كرة حمراء هي حقاً كروية ولكن لونها الأحمر هو خاصية غير حقيقية سببتها قوتها التي تعكس الضوء. منهج “جون لوك” تأثر ب”نيوتن” حيث إشتركا في قبولهما النظرية الجسيمية للمادة. الخصائص الأساسية هي مفاهيم واقعية وذلك لأنها تتمثل بوحدات القياس وهي لغة الفيزياء.

بعد أن يكتسب العقل هذه الخصائص يصبح قادراً على التعامل مع هذه الأفكار البسيطة بالتحليل والتلخيص والمقارنة والمقايسة, متعلماً العلاقات ودامجاً إياها. وبهذه الطريقة يتم تكوين الأفكار المعقدة. “الثلج” كمثال هو فكرة لا نختبرها مباشرةً بل تصل لنا عبر أفكار بسيطة متفرقة هي “البرودة” “الصلادة” “الشفوفية” حيث نقوم نحن بالتفكير بها ثم ندمجها الى الفكرة المعقدة “الثلج”.

-درجات المعرفة ل”جون لوك”
قام “جون لوك” بتمييز ثلاث درجات معرفية بترتيب تنازلي. “المعرفة البديهية” مؤكدة وفورية فأنا أعرف فوراً “أنني موجود” وأعرف أن “اللون الأزرق ليس أخضراً”. “المعرفة البرهانية” مثل إستنتاجات الإستدلال المنطقي يمكن أن تكون مؤكدة لكنها يجب أن تُستخلص. “المعرفة الدقيقة أو الحساسة” هي ليست معرفة إنما هي إفتراض على أساس حسي. وإنه في الصنف الثالث “المعرفة الدقيقة أو الحساسة”, قام “جون لوك” بوضع العلم (مثل أفلاطون) حيث أن القول “كل المعادن موصلة للحرارة” ليس بديهياً حيث لا يوجد هناك تناقض منطقي في إنكار هذا القول كقولنا (بعض المعادن قد تكون إستثناءاً) ولا يمكن أن نستخلصه من الخصائص الأساسية (كما إعتقد أرسطو). ولهذا فبما أن التجربة لا يمكن أن تمنحنا الولوج الى هذه الأشياء فكان العلم محدوداً, غير مؤكداً وعرضةً للخطأ.

لكن كانت هناك مشاكل أخرى كما بين “بيركلي”. إن كانت الأشياء تمتلك خصائصاً أساسية وثانوية فما هي الأشياء إذن؟ إعتقد “جون لوك” أن الخصائص مملوكة ل”مادة” ضمنية ولكنه إعترف أنه لا يمكن أن نحصل على معرفة بهذه المادة. عموماً, فإن هذا المستوى من الفهم يكشف عن ثغرة بين الحقيقة والمعرفة يستطيع المشككون إستغلالها بقولهم: إن كنا فقط نستطيع أن ندرك الأفكار البسيطة والتي تسببها الأشياء, كيف نعرف أن تلك الأفكار هي حقاً تمثل تلك الأشياء؟

ثانياً, عبر نبذ الأفكار الفطرية, إفترض “جون لوك” أنه لا حاجة لنا بها وأن أفكاراً بعينها (الشكل, الصلابة والحجم) تتمثل لنا بالتجربة ليس إلا. مع ذلك, فإنه يبدو مؤاتياً أن نفترض أن العالم أعطانا أفكار الأشياء جاهزةً.
التركة العلمية ل”جون لوك” متباينة. في رفض الأفكار الفطرية والتشديد على أهمية التجربة الحسية للحصول على المعرفة وضمانها, إستطاع منهجه الذي يتميز بالنظرة السليمة أن يكشف محدودية المنطق الإنساني وإستخدامه المناسب. تجريبية “جون لوك” ساعدت أيضاً في وضع أساسيات المنهج العلمي. ولكن بتفريق المعرفة عن الواقع, فتح “جون لوك” باباً للمشككين سيصارع التجريبيون اللاحقون لإغلاقه.

الفصل العاشر من كتاب “50 فكرة عن فلسفة العلم تحتاج الى معرفتها” للكاتب “غاريث ساوثويل”

#فلسفة #تجريب #فلسفة_تجريبية #المشروع_العراقي_للترجمة

عن Iraqi Tanslation Project