الرئيسية - كيمياء - فرتز هابر .. والد الأسلحة الكيمياوية

فرتز هابر .. والد الأسلحة الكيمياوية

كم عدد الكيميائيين الذين كانوا مواضيع لمسرحيات وروايات او وثائقيات تلفزيوني؟كم عديد الكيميائيون الذين استطاعوا تبيان أن أعمالهم ساهمت في إطعام الملايين او تشويه الملاين من البشر؟ فرتز هابر تم نعته بالعديد من الألقاب: العالِم العبقري، اليهودي، مجرم حرب، زوجٌ ووالد، زميلٌ وصديق. في هذا المقال  سنسلط الضوء على الرجل الذي أشرف على أول هجوم بغاز كيميائي(الكلورين)  في تاريخ البشرية.

العالِم العبقري 

عندما دخل القرن العشرين واجهت البشرية مجاعة مُريعة، ويليام كروكس  William Crookes تنبأ في عام 1898 أنه ” سيموت الملايين جوعاً بسبب نقص السماد النتروجيني الذي يستخدم لنمو النباتات”. كان النايتروجين وافراً في الهواء لكنه كان بَعيداً عن متناول الذين أرادوا انتاج الأسمدة صناعياً.

فكر فرتز هابر لكن اهتمامه كان في تسخير الهيدروجين لجعله سماداً بحجمِ يمكنه إطعام سكان الأرض المُتنامي.

وعن ذكاءه الواسع يذكر أنه أنجز دراسة الكيمياء الكهربائية في Karlsruhe في المانيا، وأن سبب إعجابه بالعلوم التطبيقية أنه قضى بداية فتره عمله في مصنع والده للأصباغ وكذلك في تقطير الكحول، وكذلك مصنع السيلليلوز، وفي تصنيع الصودا-امونيا، كل هذا أعطاه القدرة على أبداع استراتيجية دقيقة لتحويل النيتروجين الى أمونيا وهذا الأنجاز مَنح هابر جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1918، بالرغم من أن اكتشافه هذا عبّد الطريق لتصنيع الأسمدة من الهواء ألا أن كارل بوش Carl Bosch  هو من جعل هذا الإكتشاف عمليّاً على المستوى الصِناعي وذلك بتبديل العوامل المُساعدة الباهضة الأوزميوم Os واليورانيوم U بـعوامل مساعدة رخيصة كأوكسيد الحديد الأسود Magnetite  واوكسيد الالمنيوم وهذا ما يُطلق عليه عملية هابر-بوش التي كانت كورشة عمل لهذه الصناعة.

ولأن الأسمدة تم دمجها في المنتجات الزراعية التي نأكلها، فإن ما يقدر بـ40% من نسبة النيتروجين في جسم الإنسان هو ناتج من عملية كارل-بوش. ولكن في مثال واضح عن كيف أن إكتشافٍ ما يمكن أن يفيد البشرية ويدمرها في آن، فإن عملية هابر-بوش كانت عملية حيوية لتصنيع المتفجرات من النيتروجين لصالح الجيش الألماني خلال الحرب العالمية الأولى.

إن عبقرية هابر العِلمية كانت متعددة الوجوه حيث أنه أنجز تقدمٍ هام في مجال الكيمياء العضوية، (كانت اطروحته للدكتوراه عن إشتقاق جزيئة البايبرونال العطرية من الموجودة في الفلفل والشبت، والفانيلا) حيث أن عمله على الامتزاز الجزيئي أسس لنظرية Irving Langmuirالحديثة عن الامتزاز الكيميائي، وكذلك طوّر صفارة انذار عمال المناجم ضد الأبخرة السامة، وكذلك أعمل عقله في تحويل المركبات السامة إلى أسلحة؛ عمليّاً، الكلورين والفوسجين وغاز الخردل كانت اول الأسلحة الكيمياوية التي انتشرت على نطاق واسع.

كيمائي الحرب 

أطلق بعد الحرب العالمية الأولى الحُلفاء على فرتز هابر لقب مجرم حرب وطالبت بتسليمه كمجرم، مما جعله يختبئ في سويسرا عام 1919، نفذ الحلفاء الأمر فأعتقلوا هابر لأنه متهم بإطلاق غاز الكلورين ضد قوات الحلفاء، كونه احد أعضاء القيادة العُليا لألمانيا عام 1914، وكونه إنتهك اتفاقية عام 1907 العالمية التي أوصت بعدم استخدام أسلحة سامّة، حيث عمل على تطوير الكلور كسلاح، بل وأشرف على القصف الأول في يبروس -بلجيكا وأيضاً وجه تذخير سلاحين كيمياويين آخرين خلال الحرب كذلك، الخردل والفوسجين. وكذلك دافع عن استخدام السلاح الكيمياوي حتى وفاته في 1934.

لاحقاً تم رفع اسم هابر من لائحة مجرمي حربِ الحُلفاء، فدخل برلين كبطل الحرب لكن ما لم يُدركه الحلفاء أن هابر واصل بحوثه سِراً في الغازات الكيمياوية خلافاً لمعاهدة فرساي التي أنهت الحرب العالمية الأولى.

تجاهل هابر جميع الشهادات العالمية التي أدلى بها جُنود وأطباء وممرضين، والتي وصفت أهوال الغازات السامّة ويشير جوزيف غال Joseph Gal المؤرخ الكيميائي في جامعة كواورادو حيث يقتبس من كتاب جون اليس John Ellis؛ عينٌ في الجحيم، خندق الحرب العالمية الأولى؛ Eye-Deep in Hell: Trench Warfare in World War  I :” لم يظهر تأثير غاز الخردل إلا بعد 12 ساعة من التعرض، وبعدها بدأ غاز الخردل ينخر في الجسم خارجياً وداخلياً”. آمن هابر بقوة إن الغازات السامّة أكثر إنسانية من الأسلحة التقليدية كالمدفعية وأنها سَتُنهي الحرب اسرع لكنها لم تفعل.

سرعت عملية هابر-بوش إنتاج الاسلحة التقليدية خلال الحرب، حيث استخدم  العُلماء عملية تثبيت الهيدروجين هذه كأستراتيجية لتصنيع المتفجرات من خلال تحضير النترات بهذه العملية. وطبقاً لعدة مؤرخي الحروب فإن المانيا كانت ستفرغ ترسانتها من المتفجرات خلال سنتين من الحرب لولا عملية هابر-بوش.

اليهودي 

قيل الكثير عن ارث فرتز هابر اليهودي، وهو صحيح حيث إنه ولد عام 1868 لتاجر اصباغ يهودي، وواجه معاداة السامية خلال  حياته وبمماته أيضاً، حيث أنه مات منفياً في بازل-سويسرا خلال حكم الرايخ الثالث عام 1934.

كلاً من زوجتي هابر كانتا ذوات اصولٍ يهودية وكانتا صديقتاه، أصبح هابر رئيس معهد Kaiser Wilhelm للكيمياء الفيزيائية والكهربائية، والذي يُعرف اليوم بـ “معهد فرتز هابر” ولأن المتبرع كان مصرفياً يهودياً يُدعى ليوبولد كوبل لم يوافق على تمويل المعهد إلا إذا كان هابر رئيساُ له.

لكن هابر إعتنق المسيحية وقضى فترة شبابه كمسيحياً لوثرياً -40 سنة-  لكن يُرى هذا التحول كبادرة انتهازية حيث أن العديد من اليهود في تلك الفترة اعتنقوا المسيحية ليحققوا مكاسب في وظائفهم بالرغم من ثقافة معاداة السامية السائدة في المانيا؛ يقول فرتز ستيرن مؤرخ في جامعة كولومبيا وهو ابن فرتز هابر بالمعمودية :” اعتنق هابر ديناً جديداً بدافع الحماس لا الإيمان، واعتقد في هذا الأمر إنه هيمن عليه شغفٌ صميم، واعتزازهِ بكونه ألمانياً، وولائه، وحتى خدمته لحكام المانيا”.

كلارا، زوجة هابر الأولى، كانت أول امرأة ألمانية تحصل على الدكتوراه في الكيمياء، والتي إنتحرت عندما تم اول هجوم بالكيمياوي خلال الحرب العالمية الأولى.

عندما استولى ادولف هتلر على السلطة في 1933 استدعى هابر ابنته ايفا لويس التي كانت تبلغ من العمر 15عام/96 اليوم ، أجلس هابر إيفا وأخيها وأفهمها انهما من أصول يهودية فاندهشت ايفا: “لم نكن نعلم، ربما كانت هذه أول صدمة اتلقاها في حياتي – نعم انتِ يهودية وفقاً لهذا الرجل هتلر، هكذا أجابني أبي”

هابر عائلياً 

تزوج هابر مرتين وانجب 3 اطفال، هيرمان كان ابنه البكر1902 من زوجته الأولى كلارا ايمينفار حيث سرعان ما اصبح زواجهما مهزوزاً بسبب عادات هابر العائلية، أصيبت كلارا باليأس لأنها تحولت من كيميائية ناشطة الى ربة بيت وكذلك مشاكل العائلة المالية. كلارا رفضت عمل هابر في تطوير السلاح الكيمياوي، بعد اسبوع من الهجوم الاول بسلاح كيمياوي في يبروس 1915 اطلقت كلارا النار على نفسها، حيث وجدها ابنها هيرمان تحتضر وكان عمره 13، في اليوم التالي اتجه هيرمان الى الجبهة الشرقية ليُشرف على اطلاق غاز آخر ضد القوات الروسية هذه المرة، وبعد عامين 1917 تزوج هابر من شارلوت ناثان عاملة في نادِ اجتماعي كان يرتديه، شالوت كانت ذكية لكنها لم تكن مُتعلمة مثل كلارا، ويشير جوزيف غال الى أن شارلوت كانت مستقلة جداً، بالرغم من ذلك استمر زواجهما 10 سنوات ثم انفصلا، حيث انجب منها أبنته ايفا وابن آخر ليدويغ، هيرمان كانت علاقته مضطربة مع والده، حيث ثناه عن  دراسة القانون وأرغمه على ممارسة الكيمياء، وكذلك هيرمان كان مصدر اضطراب لعلاقة فرتز بزوجته الثانية، حيث كانت  معظم شجاراتهما في بداية زواجهما بسبب هيرمان، بالرغم من ذلك كله الا ان هيرمان كان بجانب والده ليلة وفاته عندما أصابته ذبحة قلبية في 1934، هيرمان زاول ممارسة المحاماة بعد وفاة والده لكنه انتحر عام 1946 بعد وفاة زوجته بالسرطان.

تقول أيفا أن والدها لم يكن يعامل اطفاله بسوء لكنه لم يكترث بهما كما ينبغي.

هابر إجتماعياً 

فرتز هابر كان صديقاً مُخلصاً طبقا لعدة شهادات، منها ما كتبه صديقه المقرب الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء 1915 ريتشارد فليشتيتر  Richard Willtätter : “من أروع الرحلات لي هي تلك التي كانت مع فرتز هابر، كانت ساعات من الصداقة حيث تعرفت بها على شخصيته الفريدة، وقلبه النقيّ، وعقله النبيل الملئ بالأفكار، وبشغف مفرط لامحدود”.

فرتز هابر كان يتخذ رحلات الى منتجعات للراحة بعد الأفراط في العمل، فيكتب نصوص ساحرة لأصدقائه وعائلته منها هذه التي كتبها لصديقه البرت ينيشتين:

لقد مشيت ليومٍ كامل -أو أقل- 

 لأرى كهف ساتورن والوادي القريب منه؛ 

 لكنني تركت الموقع بدون أن اراهما؛ 

 حيث عارضت قوة جسمي رغبتي؛  

فهذا هو الألم، وهذا هو الخوف المخفي؛ 

وسوف تستمر فيما كنت قد بدأت به؛  

إهرب .. عندما تهبُّ عليك عواصف الحياة الخريفية؛  

حينها ستشعر بالضباب الكئيب تحت خطواتك! 

 

على عكس اينشتاين الذي كان ذا شخصية لامعة، كان هابر متحفظاً وكان يفخر بألمانيته، بينما اينشتاين كان يفخر بيهوديته، ولكن على كل الأحوال فقد تطورت الصداقة بين هذين العالمين، وعندما طرد الرايخ الثالث هابر من العمل وجرّمه، وهو الذي يُعتبر من اكثر المواطنين فخراً كتب له اينشتاين: “اشعر بالصراع الداخلي الذي تواجهه الآن، فهو كمثل أن تتخلى عننظرية كُنت تعمل عليها حياتك كلها”.

خلال عهد الرايخ الثالث معظم الكيميائيين اعتنقوا افكار هتلر ومن بينها معاداة السامية، والعديد منهم ساهموا بفعالية في البحوث التي تخدم اهداف هتلر، ولكن من أعظم الفعاليات التي تحدت النظام النازي هو ما قام به العالم ماكس بلانك حيث دعا لمسيرة لتخليد ذكرى فرتز هابر عام 1935 والتي اشتوالتي اشترك فيها العديد من العُلماء بالرغم من احتمال تعرضهم للأذى.

المصدر: هنا

———-

لقراءة كامل السسلة “مئة عام على الأسلحة الكيمياوية”

الحلقة الأولى

الحلقة الثانية

الحلقة الثالثة

الحلقة الرابعة

أنفوغرافك: “كيف غيرت الكيمياء الحرب العالمية الأولى”

أنفوغرافك: “الأسلحة الكيمياوية في الحرب العالمية الأولى”

عن Sayf A. Dawood

كيميائي ولي إلمام بالآداب واللغة الانكليزية، "أُترجم لكي أتعلّم"