حتى كمية صغيرة من الكحول قد تضعف الذاكرة!

بقلم: أولغا خازان
تاريخ نشر: 15 ديسمبر 2017
ترجمة: وميض صباح
تدقيق: ريام عيسى
تصميم: حسام زيدان

يبدو أن الكحول تؤثر على الدماغ حتى مع شربه باعتدال!
“لا أستطيع حتى أن أتذكر ما حدث في تلك الليلة” هي جملة مشتركة بين الأشخاص الذين شربوا مؤخراً لدرجة الثمالة، ولكن يبدو أن هناك أدلة بأن شرب القليل من الكحول يمكن أن يضعف التعلم والذاكرة بشكل جدي.
أثناء النوم، تترسخ الذكريات في أذهاننا، خاصةً في مرحلة نوم حركة العين السريعة وهي المرحلة التي تحدث فيها الأحلام، يعمل الكحول على منع الوصول إلى هذه المرحلة، نتيجة لذلك يقول البروفيسور ماثيو ووكر من جامعة كاليفورنيا في مدينة بيركلي، إن شرب الكحول يجعلك تنسى معلومات جديدة، حتى لو حدث الشرب بعد الحصول على تلك المعلومات.
أكثر الأدلة وضوحاً على هذه الظاهرة، التي وصفها البروفيسور ووكر في كتابه الأخير “لماذا ننام”، هو من دراسة أجريت عام 2003 من قبل البروفيسور كارلايل سميث الأستاذ في جامعة ترينت في كندا. حيث قام بدعوة 15 طالباً إلى مختبره وقدم لهم الكحول لكي يثملوا إلى حد ما.
من ثم قام بتعليم الطلاب “وهم بوعيهم” نوع جديد من قواعد اللغة. ثم قسمهم إلى ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى شربوا خليط من عصير البرتقال مع ثلاثة اوقيات من مشروب الفودكا الكحولي في نفس ليلة التعلم، وشربت المجموعة الثانية عصير البرتقال في ليلة التعلم وفي الليلة التي بعدها ثم شربوا الخليط الكحولي في الليلة الثالثة. أما المجموعة الثالثة فلم يشربوا الكحول على الإطلاق في أي من الليالي.
بعد بضعة أيام تم اختبار الطلاب بعد أن عادوا إلى وعيهم تماماً. وكانت النتائج تشير كما كان متوقع إلى أن المجموعة التي شربت الكحول في نفس ليلة التعلم، كان أداءهم أسوأ من مجموعة التي لم تشربه مطلقاً، وكانوا قد نسوا 50 بالمئة مما تعلموه. لكن وبشكل مفاجئ اتضح أن أداء المجموعة التي شَربت الكحول في الليلة الثالثة بعد التعلم كان أيضاً أسوأ من المجموعة التي لم تشرب. على الرغم من أنهم حصلوا على النوم في ليلتين خاليتين من الكحول بين الليلة التي تعلموا فيها القواعد والليلة التي شربوا فيها، وكانوا أيضاً قد نسوا 40 بالمئة مما تعلموه. هنا يوضع البروفيسور ووكر، أن هذا يعني إنك إذا كنت تدرس في الكلية، أو في أي بيئة تعليمية اخرى، فلا يمكنك أن تمتنع عن الكحول طوال الأسبوع ومن ثم تشرب في نهايته من دون أن تتحمل العواقب، أذ يقول “تبقى الذاكرة ضعيفة وهشة لعدة أيام بسبب تأثير الكحول”.
في الوقت الحالي، توجد العديد من المآخِذ على هذه الدراسة. حيث إنها كانت تضم 13 شخصاً فقط، وهذا لا يساوي شيء أمام التجارب والدراسات في مثل هذه الأيام، ولأنها أيضاً لم تأخذ بنظر الاعتبار الوقائع الأخرى التي يمكن أن تؤثر على ذاكرة المشاركين فيها. وعلى الرغم من أن البروفيسور سميث كان ولا يزال أستاذاً فخرياً في علم النفس، فلقد ذهب في دراسة التخاطر عن طريق الأحلام، وهو موضوع هامشي جداً.
اعترف البروفيسور سميث إن عينة الدراسة كانت صغيرة، وأن التخاطر عن طريق الأحلام أمر غير مألوف. (قال لي مؤخراً “لا اعرف ما يعتقد عني زملائي الآن” وأضاف “بعضهم قد يتجنبني إن مروا بجانبي في إحدى القاعات “).
لكنه لا زال يقف إلى جانب النتائج التي توصل إليها حول آثار الكحول الضارة على الذاكرة. حيث أنه يمكن أن يقلل من عدد حركات العين التي تحدث خلال نوم حركة العين السريعة، التي قال عنها سميث “إنها مرحلة حساسة جداً من النوم”.
كما قام سميث بتجربة أخرى تبين أن شرب الكحول بعد قراءة شيئاً ما لم يضعف الذاكرة. ولكن شربها مباشرةً قبل الذهاب إلى النوم أضعفها. حيث قال “يمكنك شرب الكحول، لكن فقط تأكد أن هناك وقت كافي ليتخلص جسمك من منه قبل أن تذهب إلى النوم”، وقال “ربما يجب أن تشرب الكحول في فترة ما بعد الظهر.”
في الآونة الأخيرة، أطلعت الباحثة السريرية في الطب النفسي من جامعة اوكسفورد، أنيا توبيوالا، على بعض الدراسات التي تبين إن استهلاك الكحول بصورة طفيفة يحمي من التدهور الإدراكي، لكن من خلال ممارساتها لمهنتها، لاحظت أن بعض الأشخاص الكبار في السن لديهم مشاكل في الذاكرة مع أنهم كانوا يشربون الكحول بشكل معتدل – كأن يتشاركون قنينة من النبيذ في المساء.
كانت الباحثة تريد أن تختبر ما إذا كان شرب الكحول يساعد أو يضر أدمغتهم. لذلك قامت هي وزملائها بالنظر في نتائج 550 شخص كانوا من ضمن دراسة شهيرة لمصلحة صحة موظفي الخدمة المدنية البريطانية وتسمى دراسة “وايت هول الثانية”. حيث كان معظم المشاركين فيها يشربون الكحول بشكل معتدل على مدى 30 عام. وطوال تلك الفترة، كان يتم سؤالهم حول مقدار شربهم ويتم إعطائهم اختبارات إدراكية. حيث قامت توبيوالا وزملاؤها بإعطائهم بعض الاختبارات الإدراكية الإضافية وقامت بأجراء مسح لأدمغتهم.
بعد ذلك وجدت هي وزملائها أنه كلما كان مقدار شرب المشاركين أكثر كلما كان حجم قرن آمون لديهم أصغر -وهي منطقة في الدماغ مسؤولة عن الذاكرة- والحال كان أسواء في “العزل” العصبي لمنطقة أخرى في الذاكرة تسمى الجسم الثقني. حيث إن شرب القليل من الكحول أسبوعياً لم يساعد على ما يبدو، وإن أولئك الذين شربوا -أكثر من 21 وحدة كحولية أسبوعياً أو نصف لتر من البيرة يوميا- كان لديهم انخفاض بنسبة 16 بالمئة في “فصاحة المفردات اللغوية” أو في عدد الكلمات التي يمكن أن تأتي من الجزء العلوي من الرأس. حيث أظهرت الدراسة أن من يشربون القليل من الكحول ليسوا أفضل من الممتنعين عنه في فصاحة المفردات.
وجدت توبيوالا هذه الآثار حتى في الرجال الذين شربوا كمية كحول “معتدلة”، أو ما بين حوالي خمسة إلى سبعة كؤوس من الجعة في الأسبوع. وهذا يساوي تقريباً “14 إلى 21 وحدة كحولية في الأسبوع”. (الاعتقاد السائد هو أن “وحدة كحولية” تعني كأس شرب واحد، قد يكون هذا صحيح لأن كؤوس النبيذ زادت في الحجم عدة مرات على مدى السنوات الأخيرة).
إن تلك الدراسات التي أشارت إلى أن الاعتدال في شرب الكحول مفيد للدماغ، ممكن أن تكون قد أهملت اعتبار أن أولئك الشاربين يميلون إلى أن يكونوا أكثر ثراءً وأفضل تعليماً -من الممتنعين عن الشرب، وكما قالت توبيوالا، لقد كانوا يطلبون من المشاركين أن يتذكروا كم كانوا يشربون منذ عدت سنوات-وهو ما لا يمكن الاستناد إليه إلى حد ما.
إلى جانب ذلك، وجدت في تحليلات أخرى أن الشباب الذين يشربون بكثرة هم الأسوأ في تذكر أشياء بسيطة مثل قفل الباب أو إرسال بريد إلكتروني من الممتنعين أو ممن يشربون بقلة. وأشارت دراسة أخرى إلى أن الطلاب الذين يشربون حوالي تسعة مرات في الأسبوع، في المعدل، كان لديهم مشاكل في الكلمات ذات الصلة بالذاكرة. وفي دراسة أخرى تتعلق بالنوم، تبين أن طلاب الجامعات الذين يشربون بكثرة ينامون في وقت متأخر، ويكونون خاملين وناعسين خلال النهار، وأسوأ من غيرهم في إجراء الاختبارات.
أثر الكحول على النوم هو أسوأ من كل الآثار السلبية الأخرى مجتمعة، لأنه يمنع تماماً مرحلة نوم حركة العين السريعة، حيث إن بعض مدمني الكحول تتمدد لديهم هذه المرحلة وتحدث لهم في حياتهم اليومية وهم مستيقظين، كما قال ووكر. حيث تبدأ لديهم حالات من الأوهام والهلوسة.
المشكلة هي، انه موسم المهرجان. إنه مرهق واحتفالي واجتماعي او كلها في آن واحد. على الرغم من ذلك، لا يجب عليك أن تشرب لأجل خلق صداقات او للاحتفال او للسيطرة على الضغوطات. مؤخراً وضعت دعوة على تويتر للحصول على نصائح في التعامل مع الضغوطات من الممتنعين عن شرب الكحول، لقد كان لديهم الكثير من الأفكار. وأيضاً سألت الباحثين الذين قابلتهم كيف غيروا سلوكهم بناءً على النتائج التي توصلوا إليها.
قالت الباحثة توبيوالا إنها كانت تشرب كأساً من النبيذ يومياً، لكنها آلان تشرب ثلاث إلى أربع كؤوس في الأسبوع. أما البروفيسور ووكر فهو لا يشرب في المساء – في الحقيقة هو لا يشرب على الإطلاق. كما انه ينام ثمان ساعات في المساء غير قابلة للنقاش، حتى لو كان ذلك يعني التضحية بأعمال أخرى.
“انتظام النوم يعتبر ميؤوس منه في الوقت الحالي” كما قال. ولكن “في الحقيقة، النوم هو أفضل وسيلة يمكن أن تتخيلها للتأمين على صحتك”.
المقال بالغة الإنكليزية: هنا

عن Amna Alsoofi