وسائل التواصل الاجتماعي تجعلنا أكثر غباء ها هو الدليل

كتبه للنيويورك تايمز: جيسي سينغل
منشور بتاريخ: 11/1/2018
ترجمة: الاء عبد الامير
تدقيق: ريام عيسى
تصميم: حسام زيدان

إنتشر خلال هذا الاسبوع تسجيل فيديو للبروفيسور في جامعة هارفارد (ستيفن بينكر) يظهر فيه وهو يشيد بأعضاء من حركات عنصرية. يُظهر مقطع الفيديو الذي وضعته صحيفة (سبايكد) الالكترونية السيد بينكر وهو يشير إلى أن “الاشخاص ممن هم ذوو ثقافة وذكاء عاليين ينجذبون لليمين البديل” ويسميهم “عباقرة الانترنت وعباقرة الاعلام”.
إنتشر مقطع الفيديو فاحتفل اليمينيون وغضب اليساريون، ونشر موقع (نيو نازي دايلي ستورمر) مقالاً حمل عنواناً جزئياً “بروفيسور هارفارد اليهودي يعترف بأن اليمين البديل كان محقاًَ بشأن كل شيء”. كما قام (أليكس ويتوسلاوسكي) الذي يصف نفسه “بمثير الشغب المحافظ”، بنشر الفيديو في تغريدة، وحصلت تغريدته على مئات من اعادة التغريد، احداها كانت بواسطة زعيم القوميين البيض (ريتشارد سبينسر).
يعلق الصحفي اليساري (بين نورتون) على الامر: “لطالما كان ستيفن بينكر محبوباً عند المتطرفين البيض في اليمين البديل، وها هو يرد الصنيع”. بينما تجاوب اخرون مع الشائعة بغضب بسيط: “أمر لا يُصدق” كما قال (باول زاكري مايرز) المعلق الليبرالي وعالم الاحياء الذي كتب في مدونته مستنكراً هذا التحالف المفترض.
وفيما تبدو فكرة أن السيد بينكر، الليبرالي والاستاذ في علم النفس، هو مناصر لحركة عنصرية ومعادية للسامية، هي فكرة سخيفة في ظاهرها، لذا فقد يكون من المغري أن تقلب عينيك وتغض النظر عن هذه الزوبعة باعتبارها امر اخر يفعله الاعلام لتوليد الغضب. إلا أنها في الحقيقة حادثة مثيرة للاهتمام، لأنها تلقي بالضوء على ميل مزعج ويتجه للأسوأ في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تقوم الولاءات القبلية باستبدال الفهم التجريبي للعالم. او قد يكون استعمال تعبير “الولاءات القبلية الفرعية” مناسباً وأكثر صحة هنا. إن نتحدث عن اختلاف اليمين واليسار بشأن حقائق بسيطة في العالم هو أمر، هذا النوع من التقسيم المعلوماتي كان يحدث طوال الوقت وقبل مجيء تويتر بفترة طويلة. لكن ما تفعله وسائل التواصل الاجتماعي هو وضع حدود اضافية، الامر الذي يجعل من الصعب حتى بالنسبة لأشخاص بينهم اتفاق فكري عام الاتفاق على حقائق اساسية متعلقة بأحداث اخبارية.
ويعود ذلك لأن القوى الاجتماعية المحركة والمؤذية في هذه الفضاءات الافتراضية تطرح بما لا يقبل الالتباس فكرة أن أي أحد يختلف معك ولو بشكل بسيط بخصوص أي أمر مثير للجدل، هو اما أن يكون غبياً بشكل غير قابل للإصلاح، او شريراً، او متوهماً. وعلى نطاق واسع ومتنام من القضايا لا نجد مفهوم الخلاف بحسن نية.
الغضب الذي نشأ على شبكات الانترنت والموجّه ضد السيد بينكر هو خير مثال على هذا الامر.
إن مقطع الفيديو المنشور كان مضللاً بشكل كبير، فلو انك شاهدت التسجيل الاصلي بدقائقه الثمان والذي اقتطع منه ذلك الجزء، لكان واضحاً أن مغزى حديث السيد بينكر هو عن أن جميع ما يؤمن به أعضاء اليمين البديل هو خاطئ وغير منطقي وبأن على اليسار أن يؤدي عملاً افضل من ذلك في مواجهتهم.
يبدأ التسجيل بالسيد بينكر وهو يقول متفقاً مع متحاورين اخرين (اثنين من الصحفيين ومحامي): “لقد احدثت الكياسة السياسة قدراً كبيراً من الضرر في شريحة من السكان الذين لن اقول بأن اقناعهم أمر يسير لكن تغيير انتماءاتهم بالتأكيد هو أمر في متناول أي أحد.” وتظهر هذه المشكلة حين يتعلق الامر “بالأشخاص من ذوي الذكاء والثقافة العاليين حيث ينجذبون لليمين البديل: عباقرة الانترنت وعباقرة الاعلام، الذين يكونون غالباً متطرفين بهذا الشكل، اولئك ممن (يبتلعون الحبة الحمراء)* كما حدث في فلم ماتريكس.”
ويستمر السيد بينكر في الحديث موضحاً أنه عندما يوضع اعضاء هذه المجموعة في مواجهة لأول مرة مع افكار منبوذة او مستهجنة في اوساط الليبراليين بحسب اعتقاده –كأن نقول أن اكثر التفجيرات الانتحارية هي بسبب المسلمين او أن المجموعات العرقية ترتكب الجرائم بنسب مختلفة- “فتصيبهم مباشرة مشاعر الغضب لكون هذا الحقائق قد ابقيت سراً، كما انهم لا يملكون من الدفاعات ما يحصنهم ضد استخلاص استنتاجات غير مرغوبة من هذه الحقائق.”
هذا امر مؤسف كما يقول السيد بينكر، ففي الوقت الذي قد يستخدم فيه احدهم هذه الحقائق لدعم اراء متعصبة، لكن ما من داع لأن يصبح هذا محور اهتمامنا، لأنه “توجد موانع قوية لكل واحدة من هذه الحقائق تحول دون تحولها لتراخيص تبيح العنصرية والتمييز الجنسي والرأسمالية الفوضوية وهلم جرا.”
ثم يذهب إلى شرح تلك الموانع بدقة: على سبيل المثال، في الوقت الراهن فإن معدلات جرائم القتل بين السود أعلى منها بين البيض وهذا امر صحيح وفق احصاءات مكتب العدالة، لكن هذا لا يخبرنا اي شيء عن التجمع السكاني لأنه وعلى مر التاريخ لطالما حصلت مجاميع معينة على نسب اعلى من غيرها في ارتكاب الجرائم، في مرحلة معينة كان الامريكيون من اصل ايرلندي يملكون هذه النسب المرتفعة. وباستعمال هذه الدلالة يقول: “فإن النسبة الكبرى من جرائم الارهاب المنزلي يرتكبها اعضاء من اليمين المتطرف” لا المسلمون.
سيكون من المستحيل بالنسبة لشخص عقلاني أن يشاهد التسجيل لثماني دقائق ويستخلص منه أن فكرة السيد بينكر كانت الاشادة باليمين البديل وليس صنع حجة نفسية عن الكياسة السياسية، والتجنيد في اليمين المتطرف، وعن كيفية مواجهة الافكار المتعصبة لهذه الحركة بشكل افضل.
والان لربما كنت تختلف مع بعض النقاط في هذه الحجج –انا اختلف مع تهويله لشدة الكياسة السياسية في الحرم الجامعي- لكن من الصعب أن نحظى بهذا النقاش في المقام الاول حين تكون هناك نسخة محرفة بشكل كبير من كلام السيد بينكر منتشرة كالنار في الهشيم على شبكة الانترنت.
السيد بينكر سيكون على افضل ما يرام، فانتشار تغريدة عابرة ليس امراً يضر بمسيرته الطويلة والناجحة كمفكر مشهور. لكن هذا الامر يحدث بازدياد، وفي كثير من الاحيان يحدث لأشخاص لا يمتلكون السمعة والمكانة اللتين يمتلكهما.
لقد بات من الصعب الحديث عن امور مثيرة للجدل على شبكة الانترنت بدون أن يتم مباشرة تشويه كل مفردة بواسطة دعاة الغضب الانتهازيون، للدرجة التي بات بها الجميع ممن يخشون بأن يعلقوا في مناوشة كلامية على وشك الانفجار، يسرعون إلى الامان الذي توفره لهم معسكراتهم الايديولوجية، حيث يمكنهم الزعيق بأمان وانسجام عن استقامتهم وصلاحهم. وفي هذه الحالة: “ستيفن بينكر يقول بأن اليمين البديل جيد! لكن اليمين البديل سيء! يجب علينا الدفاع عن هذا المبدأ!”
هذا الامر يجعلنا اكثر غباء.
*في فلم ماتريكس تقوم شخصية (مورفيوس) بعرض حبتي دواء، واحدة حمراء واخرى زرقاء، على الشخصية (نيو) فيما يشبه المحاكاة الحاسوبية، فلو وقع اختياره على حبة الدواء الزرقاء يمكنه أن ينسى هذه التجربة ويعود ليكمل حياته مخدوعاً بحقيقتها، وإن اختار الحبة الحمراء فستنكشف له الحقائق عن العالم الذي نعيش فيه.
المقال باللغة الانجليزية: هنا

عن Amna Alsoofi