بزيادة عتمة السماوات تزداد الجرائم

كتبه لمجلة SCIENTIFIC AMERICAN
منشور بتاريخ: 16/1/2018
ترجمة: منار إبراهيم
مراجعة وتدقيق: نعمان البياتي
تصميم الصورة: حسام زيدان

لِمَ قد يساهم التلوث الجوي في تفاقم معدلات ارتكاب الجريمة
من المعلوم أن التلوث الهوائي يُكلف العالم زهاء 5 تريليون دولار سنويًا، أي ما يعادل 7 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، هذا حسب إحصائيات البنك الدولي، وتقاس هذه التكلفة بمجموعة من المقاييس، بما فيها الأرواح المفقودة وتدهور الأحوال الصحية وانخفاض معدلات الإنتاج؛ المؤسف حقًا أن مثل هذا التلوث لا تكتفِ برؤيته حولك فقط، بل تستشعره بكافة حواسك الأخرى، إذ يمكنك الشعور به، شم رائحته، وكذلك تذوقه.
فبرائحته النفاذة يلدغك، وبضبابه الكثيف يغشي على بصرك ويصبغ رئتيك بوشاحه القاتم، ولا يتركك سوى لاهثًا متقطع الأنفاس، وحتى في الولايات المتحدة، لا يزال هناك ما يناهز الـ 142 مليون أمريكي يقيمون في مقاطعات ملوثة الهواء على نحو خطر؛ ومع ذلك، فإن تلوث الهواء لا يقتصر تأثيره السلبي على صحتنا وبيئتنا الطبيعية فقط، بل اتضح إنه يمتد لأبعد من ذلك؛ إذ أظهرت الأبحاث أن تلوث الهواء ذو تكلفة أخلاقية أيضًا.
أي أنه قد يكون للهواء الملوث تبعات وخيمة على أخلاق الناس في جميع أنحاء العالم دون أن يدركوا ذلك حتى، والجدير بالذكر هنا أن البيانات الحديثة المتعلقة بالتغيرات اليومية في اتجاهات الرياح في مدينتي شيكاغو ولوس أنجلوس، تشير إلى إن تلوث الهواء يُفاقم حقًا من معدلات ارتكاب الجرائم العنيفة، وباستخدام كلٍ من البيانات الأرشيفية\المخزنة والمعملية، ألقينا نظرة من كثب على الصلة التي تجمع بين التلوث الجوي والسلوك غير الأخلاقي، وما وجدناه كان مذهلًا حقًا؛ إذ إن تجربة التلوث الجوي أسفرت عن زيادة فعلية في السلوكيات غير الأخلاقية.
وفي بحثنا الذي أجريناه، حللنا أولًا تسع سنوات من البيانات المتعلقة بما يقرب من 10.000 مدينة من مدن الولايات المتحدة لدراسة كيف يمكن لتلوث الهواء أن يؤثر على فئات الجرائم المختلفة، بما في ذلك القتل والسرقة والاعتداء المشدد –أي الاعتداء بالضرب-والسطو، واستبعدنا العديد من العوامل الهامة التي قد تفسر العلاقة بين تلوث الهواء والسلوك غير الأخلاقي، مثل سكان المدينة، وإنفاذ القانون، والتكوين الديمغرافي (مثل متوسط الفئات العمرية​​، والجنس، والعرق، والتعليم) ومقدار الدخل والفقر والبطالة، وعلاوةً على هذه العوامل، خلصنا إلى إن ارتفاع مستويات تلوث الهواء -عبر تلك السنوات- قابله ارتفاع ملحوظ في ارتكاب ست فئات من الجرائم بما فيها القتل والسرقة والاعتداء المشدد والسطو؛ الأمر الذي أكد على ارتباطهما الوثيق ببعضهما.
ولنقطع الشك باليقين ونتأكد من تلك العلاقة السببية المزعوم وجودها بين تلوث الهواء والسلوكيات غير الأخلاقية، أجرينا بعد ذلك ثلاث تجارب -تحت إشرافٍ من الرقابة -في كلٍ من البلدان الأقل والأكثر تلوثًا (مثل: الولايات المتحدة والهند على التوالي)، وذلك لدراسة التأثير السببي لتجربة تلوث الهواء على السلوكيات غير الأخلاقية، بما في ذلك السلوكيات غير الشريفة التي لا تُعد جنائية -مثل الغش والكذب.
ولم تقتصر تجاربنا على التأكد من تلك العلاقة فقط، بل تناولت أيضًا سؤال “لماذا”؟ لماذا يساهم التلوث في زيادة السلوكيات غير الأخلاقية؟!
حسنًا، لقد افترضنا جدلًا أن تلك التجربة قد تُقلق بعض الناس مما قد يبرر تصرفاتهم غير الأخلاقية. إلا أنه في الواقع، كشفت الأبحاث السابقة أن القلق وحده قد يحمل المرء على القيام بسلوكيات غير أخلاقية وأكثر عنفًا (مثل العدوان) وسلوكيات أخرى غير أخلاقية إلا أنها أقل عدوانًا من سابقتها (مثل الغش في الاختبار لربح مزيد من المال)، في حين وُجد أن القلق الناجم عن أزمة اقتصادية ما يجعل الناس أكثر عدائية وعدوانية.
وإليك إحدى الدراسات التي أجريناها، عينّا مجموعة من البالغين الأمريكيين، وعلى شاشة حاسوب عرضنا عليهم سلسلة مكونة من 15 صورة لمدينة بكين الحالية، وبعشوائية تامة، قسّمنا هذه المجموعة إلى فئتين؛ إحداهما عرضنا عليها مجموعة من الصور لأماكن متعددة وقد التُقِطَت في يوم يشوبه التلوث، ذو سماء رمادية حافلة بالضباب، أما بالنسبة للفئة الأخرى، فعرضنا عليها مجموعة صور للأماكن ذاتها إلا أنها كانت ليوم آخر أكثر نقاءً، ذو سماء صافية وزرقاء، وهنا، طلبنا من المشاركين تخيُل العيش في تلك المدينة، وبعدها، طلبنا منهم تدوين مذكرات تفصيلية حول أحداث اليوم التي عاشوه في هذه المدينة والتي تتلخص في التالي- “استقلال حافلة، وركوب دراجة، واستنشاق الهواء، والتحدث مع الأصدقاء، واستكشاف المدينة”- وذلك رغبةً منا في جعلهم يتعايشون مع تلك الأحداث الخيالية ليشعروا بوجودهم في هذه البيئة؛ نظيفة كانت أو ملوثة.
وما إن انتهوا من تدوين ملاحظاتهم، انتقل المشاركون إلى مهمة أخرى والتي بدت من ظاهرها كاختبار للحظ، إلا إنها في الواقع لم تكن كذلك، فقد كان الهدف المرجو منها هو تقييم سلوكيات الغش لديهم، وبالفعل طلبنا من المشاركين إلقاء حجر نرد مرة واحدة وإخطارنا بما حصلوا عليه من نتائج، والتي وفقًا لها سيُحدَد مقدار المبلغ الذي سيحصلون عليه، وهو دولار للنقطة الواحدة أي: (دولار لرقم واحد، دولارين لرقم اثنين، وهكذا دواليك…). كما أردنا تقييم مستويات قلق المشاركين، لذا استعنّا باثنين من المبرمجين لتقييم مذكرات كل مشاركٍ على حدة ووفقًا لأبعادٍ مختلفة متضمنة تلك التي تقيس مستويات القلق: مثل الشعور ب “الأسى” أو “الغضب” أو “العصبية” أو “الخوف”.
والآن، وبعد كل ما سبق خلصنا إلى حقيقة مفاداها أن مشاركي الفئة الأولى –من شاهدوا صور مدينة بكين الملوثة- كانوا أكثر خداعًا ومكرًا من نظرائهم ذوي الفئة الأخرى -من شاهدوا الصور ذات الطبيعة الصافية- إذ ادعوا الحصول على نتائج أعلى في تجربة إلقاء حجر النرد تفوق تلك الأخرى التي سجلوها بالفعل.
كما أظهرت اليوميات سيطرة مشاعر القلق على المشاركين في حالة التلوث الجوي، وبناءً عليه، يتضح تأثير ما استشعروه من تلوث جوي -في تلك الصور- على قلقهم المتزايد، والذي حدا بهم إلى الغش في الاختبار، وقد وجدنا نفس النمط من النتائج في دراسة مماثلة أجريت على عدد من سكان الهند البالغين.
وفي الختام، أذكركم أن أبحاثنا تلك تكشف النقاب عن سببٍ آخر مقنع للعمل على الحد من تلوث الهواء، والذي يتلخص في أنه بالحفاظ على بيئاتنا خالية من التلوث قدر الإمكان، فإنها لن تغدو صحية فحسب، بل أيضًا أكثر أمانًا، ويبدو أن تلك الدولارات التي تنفقها الحكومات لحماية البيئة من التلوث ذات تأثيرات أكبر وأبعد مما يعتقده واضعو السياسيات خاصتنا؛ تلك الآثار التي لا تنفك تهدد صحتنا وحياتنا الاقتصادية، ناهيك عن أنها وضعت حياتنا الأخلاقية كذلك على المحك، لذا، تذكر دائمًا أن نقاء الهواء وصفاؤه يُثمر حسن الأفعال والسلوكيات.

المصدر هنا

عن Hussam Zidan

Hussam Zidan