لماذا إسرائيل بحاجة إلى الدولة الفلسطينية أكثر من أي وقت مضى

ترجمة: أحمد حازم سلطان
تدقيق: نعمان البياتي
تصميم: حسام زيدان
لموقع الإكونومست بتاريخ 20/4/2017

الأرض مقابل السلام يعني أيضاً الأرض مقابل الديمقراطية

إن انتصار إسرائيل على الجيوش العربية المطوقة لها عام 1967 كان سريعاً وحاسماً للغاية، واعتقد الكثير من اليهود بأن يد الله هي حتماً من قلب الموازين. قبل حرب الأيام الستة، كانت إسرائيل تخشى من حدوث الهولوكوست مرة أخرى، إلا إنها ومنذ ذلك الحين قد أصبحت امبراطورية مصغرة. بالرعب، سيطر اليهود على الأماكن المقدسة في القدس، بالإضافة لأماكن شهدت وقائع قصصهم التوراتية، إلا إن الأرض سقطت بالكثير من الفلسطينيين الذين لا تستطيع إسرائيل طردهم ولا استيعابهم، فهل ابتسم القدر لإسرائيل، أم كانت في اختبار؟
خلال الأعوام الخمسين الماضية، حاولت إسرائيل الحفاظ على الأرض بسبيلين اثنين: الأول السيطرة على الأرض من خلال زرع المستوطنات اليهودية، والثاني إبقاء الفلسطينيين تحت الاحتلال العسكري، رافضةً منحهم دولتهم الخاصة والمساواة السياسية في داخل إسرائيل؛ كان الفلسطينيون قد شوهوا قضيتهم عبر عقود من العنف العشوائي، ومع ذلك فإن سلبهم أرضهم يشكل وصمة عار في جبين إسرائيل، والتي تمثل حتى الآن الطرف الأقوى والتي تزعم أنها نموذج للديمقراطية.
إن الاحتلال الإسرائيلي “المؤقت” استمر لنصف قرن حتى الآن، أما عملية السلام والتي خلقت حكماً ذاتياً فلسطينياً “مؤقتاً”، والذي من المفترض أن يستمر لخمس سنين قبل تسوية نهائية، قد دام لأكثر من عشرين عاماً، فقد طال انتظار الدولة الفلسطينية؛ بدلاً من مقاومة وجودها، ينبغي على إسرائيل أن تكون أول مدافع عن فلسطين المستقبل والتي ستكون بجوارها، لا لكون الصراع المستعصي هو الأسوأ في الشرق الأوسط، أو كما اعتقد الكثيرون فيما مضى، السبب الرئيس لحالة عدم الاستقرار الإقليمي: مثل مذابح الحروب الأهلية في سوريا والعراق وأماكن أخرى تدحض أفكاراً كتلك. إن السبب الذي لأجله يستوجب على إسرائيل أن تطلق سراح الشعب الفلسطيني هو الحفاظ على ديمقراطيتها هي.
ورقة ترامب الرابحة
من الممكن أن هناك فرصة جديدة -وبشكل غير متوقع- لإحلال السلام : دونالد ترامب يريد أن يضمن “الاتفاق النهائي” من خلال زيارته للأراضي المقدسة في 22 من نيسان، خلال رحلته الخارجية الأولى. يبدو رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين ناتنياهو متوتراً في الوقت الذي يبدو الرئيس الفلسطيني، محمود عباس متفائلاً؛ وقد حث السيد ترامب، بصدق، إسرائيل للحد من بناء المستوطنات، أما إسرائيل فتريده أن يفي بوعده في نقل السفارة الأميركية إلى القدس. ينبغي عليه أن يكبح جماح نفسه قبل أن يكون على استعداد للذهاب بعيداً حقاً: الاعتراف بفلسطين في الوقت ذاته ثم القيام بفتح سفارة ثانية في القدس للنقاش حولها.
إن خطة السلام معروفة؛ ينبغي على الفلسطينيين القبول بالدولة اليهودية والتي تولدت جراء حرب 1947-48 (تمثل ثلاثة أرباع فلسطين تحت الانتداب البريطاني)، وفي مقابل ذلك، تسمح إسرائيل بقيام الدولة الفلسطينية على الأراضي المتبقية والتي احتلتها عام 1967 (الربع تقريباً)، كما من الممكن مبادلة أراض لضم المستوطنات الرئيسة، أما القدس فتتم مشاركتها، كما يعود اللاجئون الفلسطينيون عموماً لدولتهم الجديدة، لا إلى إسرائيل.
إن حقيقة كون الاتفاق مألوفاً لا تعني أنه ممكن الحدوث، فمن المرجح أن يقوم كل من السيد ناتنياهو والسيد عباس بإطالة سير العملية ومحاولة التأكد من أن الطرف الآخر هو من تقع عليه مسؤولية فشلها؛ مشغولاً بالفضائح، ربما يفقد السيد ترامب الاهتمام، وقد يفقد السيد ناتنياهو السلطة (فهو يواجه العديد من تحقيقات الشرطة)، وقد يموت السيد عباس (فهو مدخن وفي الثانية والثمانين من عمره). إن حالة شبه الحرب وشبه السلام، للأسف، هي خيار محتمل لكليهما.
غير إن قيام الدولة الفلسطينية هو النصف الآخر من الاتفاق الدولي، والذي لم يتم الوفاء به حتى الآن، بتقسيم فلسطين التاريخية في الفترة البريطانية لدولة يهودية وأخرى عربية، فمنذ حرب الأيام الستة، بدت إسرائيل على استعداد لمقايضة الأرض مقابل السلام، لا سيما بعد أن أعادت شبه جزيرة سيناء لمصر عام 1982، إلا إن احتلال القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة كان أمراً مختلفاً، فهي تحتل الجزء الأكثر أهمية في التاريخ الحي للشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، كما تضيف تعنتاً دينياً على نزاع قومي. قَبِل زعماء الصهيونية الأوائل التقسيم على مضض ومأساوية، في حين رفض العرب القرار كلياً، غير إن منظمة التحرير الفلسطينية وافقت على قيام الدولة على جزء من الأرض عام 1988، لكن القادة الإسرائيليين قاوموا المشروع حتى عام 2000، إذ لم يتحدث السيد ناتنياهو شخصياً عن دولة فلسطينية (وإن محدودة) إلا في عام 2009.
إن السبب الآخر لفشل قيام الدولتين هو العنف، فالمتطرفون في كلا الجانبين خططوا لإفشال اتفاقات أوسلو 1993، والتي مثلت المرحلة الأولى من الاتفاق، تلتها الانتفاضة الفلسطينية في 2000-2005، والتي كانت عنيفة، كما إن الحروب بعد الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من لبنان عام 2000، ومن غزة عام 2005 جعل كل شيء أسوأ؛ ومع تدفق الدماء، مات المقوم الرئيس للسلام؛ الثقة.
معظم الإسرائيليين ليسوا في عجلة من أمرهم في محاولة عرض الأرض مقابل السلام مرةً أخرى، فأمنهم في تحسن، واقتصادهم بازدهار، والدول العربية تغازل إسرائيل لتبادل المعلومات فيما يتعلق بالإرهابيين والتحالف ضد إيران، أما الفلسطينيون فهم ضعفاء ومنقسمون، وقد لا يمتلكون القدرة لإبرام اتفاق موحد؛ وعلى الرغم من أن السيد عباس معتدل إلا أنه لا يحظى بشعبية كبيرة، كما أنه خسر قطاع غزة لصالح منافسيه الإسلاميين، حماس، وماذا لو استولت حماس على الضفة الغربية أيضاً؟
كل ذلك يخلق ارتياحاً محفوفاً بالخطر: فمع أن الصراع لا يمكن حله، فمن الممكن السيطرة عليه لأجل غير مسمى، فبالإضافة إلى إن الإخضاع المستمر للفلسطينيين سيضعف من موقف إسرائيل الخارجي وسيضر بديمقراطيتها داخلياً، فسياساتها تتجه نحو الشوفينية العرقية –الدينية، من خلال محاولة تهميش العرب واليهود اليساريين، بما فيها جماعات حقوق الإنسان؛ ووصل الأمر إلى اعتراض الحكومة الاسرائيلية على رواية عن علاقة حب يهودية – عربية، وكلما ازدادت إسرائيل ثراءً، كلما أصبحت حالة البؤس الاقتصادي بين الفلسطينيين مقلقةً أكثر؛ المأزق الإسرائيلي يزداد حدةً كلما ازدادت أعداد الفلسطينيين بين نهر الأردن والبحر المتوسط لتبلغ أعداد اليهود، ولا تستطيع إسرائيل أن تتمسك بكامل “أرض إسرائيل”، وأن تحتفظ بهويتها اليهودية الغالبة، وأن تحتفظ بديمقراطية سليمة؛ فلإنقاذ الديمقراطية، والحؤول دون الانزلاق في العنصرية أو حتى الفصل العنصري، على إسرائيل أن تتخلى عن الأراضي المحتلة.
التعاون لا المشاركة
بالتالي، إذا كانت السلطة الفلسطينية الممثلة بالسيد عباس ضعيفة، فإن على إسرائيل تعزيزها، لا تقويضها؛ دون إحراز التقدم في بناء الدولة، لا تستطيع السلطة الفلسطينية أن تُبقي على التعاون الأمني مع إسرائيل إلى الأبد، ولا أن تستعيد مصداقيتها. ينبغي على إسرائيل أن تسمح للفلسطينيين بالحركة بحُريّة أكبر، وأن تُزيل جميع الحواجز التي تعترض البضائع الفلسطينية (سوق أكثر حريّة سيعني إسرائيل أكثر غنى أيضاً)، كما ينبغي على إسرائيل أن تسمح للسلطة الفلسطينية بالتمدد وراء جُزيرات المناطق التي تسيطر عليها، كما ينبغي عليها كذلك أن توقف طواعيةً بناء كافة المستوطنات، من وراء حاجزها الأمني على أقل تقدير.
إن إسرائيل أقوى بكثير من أن تهدِد الدولة الفلسطينية وجودها؛ إن دولة كهذه، في الواقع، ضرورية جداً لمستقبل إسرائيل، وعند ولادة فلسطين فقط، سيكتمل انتصار إسرائيل عام 1967.
رابط المقال باللغة الإنكليزية: هنا

عن Amna Alsoofi