كيف يساهم مشروعُ ترجمةٍ عراقي بإنعاش العلم في العالم العربي

كتبه للكونفرزيشن: بول براترمان
أستاذ الكيمياء الفخري في جامعة غلاسكو.
بتاريخ 14 كانون الأول 2017
 
ترجمة: حسن مازن
تدقيق: نعمان البياتي
تصميم الصورة: حسام زيدان
 
إن للترجمة القدرة على تغيير مسار الحضارات، حيث زود مشروع الترجمة الذي أطلقه الخليفة المنصور العباسي، في القرن الثامن الميلادي وتسارع بشكل كبير في عهد حفيده هارون الرشيد، المكتبة العربية بالمصادر الإغريقية والآرامية والفارسية والهندية، وأسس لازدهار العلوم والفلسفة في العالم الإسلامي في وقتٍ كانت فيه أوربا تعيش عصورها المظلمة.
ثم شهد القرن العاشر الميلادي وما تلاه مشروع ترجمة آخر في الاتجاه المعاكس، من العربية إلى اللاتينية، إذ اتخذ من طليطلة في إسبانيا مركزاً له، في ذلك المكان حيث تداخلت المسيحية مع الإسلام لفترة طويلة من الزمن، وترجم جيراردو الكرموني أعمال الرياضياتي المسلم الخوارزمي والفيلسوف والطبيب الفارسي بن سينا إضافة لبعض النسخ العربية من أعمال أفلاطون وأرسطو. أنعش هذا المشروع التواصل الأوروبي مع التعليم الكلاسيكي، ما كان يُعد بمثابة البعثات الدراسية في الوقت الراهن. فقد كانت الطريقة التي أعادت أوربا المسيحية بها اكتشاف أرسطوطاليس، بينما ذُكرت خبرات بن سينا الطبية في حكاية “العفو” لتشوستر.
إنه لمن المفرح أن يكون هناك مشروعُ معاصرٌ للترجمة من الإنكليزية إلى العربية، وإن كان متأخراً، يركز بشكلٍ كبير على تبسيط المواضيع العلمية لتصل لأكبر عدد ممكن من الناس، وبتركيز كبير على نظرية التطور.
الفيلسوف والطبيب الفارسي أبن سينا
الفيلسوف والطبيب الفارسي أبو علي الحسين بن سينا. 
التطور والإسلام
لماذا التطور؟ ليس فقط للدور المركزي الذي تلعبه هذه النظرية في العلوم المعاصرة، ولكن لأن التجاوب مع نظرية التطور هو اختبار للرغبة بتقبل الواقع، ليس فقط تقبل فكرة أن النصوص المقدسة تحتاج لتأويل، بل إن البشر هم جزء من الطبيعة، ولأن تدريس التطور في خطر في العالم العربي (كما كان لفترة طويلة في الجارة تركيا حيث تم رفعه من المناهج الدراسية في حزيران الماضي).
إن قبول نظرية التطور منخفض جداُ في أغلب العالم الإسلامي، ففي المملكة العربية السعودية، تصف المناهج الدراسية نظرية داروين على أنها غير علمية ومجرد تجديف، وفي المناطق التي كانت تحت سيطرة “الدولة الإسلامية” كان تدريس التطور ممنوعاً.
في تموز الماضي تم طرد “الدولة الإسلامية” من الموصل، آخر معاقلهم الرئيسية في العراق، ولكن بعدها بشهر واحد، في شهر آب، رفع العراق نفسه مادة التطور من مناهج الدراسة، والتي لم تكن تُدرس بصورة صحيحة على أية حال.
وفي وقت مبكر من شهر آب، كتبتُ تدوينة لموقع الكونفرزسشن حول كيفية الترويج للتطور بوجه المغالطات التي تُبث لأهداف سياسية، ونتيجةً لذلك، وجدتُ كتاباتي تتُرجم للعربية، كما دُعيتُ للتعليق على الوضع العراقي، إضافة لطلبات الصداقة العديدة من عراقيين بمن فيهم من سكنة مدينة الموصل المدمرة بسبب المعارك، ومن ثم تم التواصل معي من قبل المشروع العراقي للترجمة والذين قاموا بترجمة العديد من كتاباتي للغة العربية.
ثلة من مُترجمي المشروع في لقاء في مول المنصور ببغداد في تشرين الأول 2014.
دور وسائل التواصل الاجتماعي
المشروع العراقي للترجمة واحد من عدة مشاريع مشابهة انتشرت في السنوات الأخيرة؛ ولا شك بأن خيبة الأمل مما قاد له الربيع العربي تعتبر دافعاً من دوافع هذه المشاريع. تستهدف هذه المشاريع جمهوراً كبيراً جداً؛ فهذه المبادرات لها صفحات فيسبوك منظمة بشكل جيد وتستهدف ما يقرب 150 مليون مُستخدم لموقع فيسبوك حسب تقديرات تقرير وسائل التواصل الاجتماعية العربي الصادر عن مبادرات دبي العالمية. أشادت مبادرات دبي العالمية الهادفة لتحسين العالم العربي من خلال العمل الإنساني والإنمائي والمجتمعي بهذه المشاريع، وهناك ما يستدعي الانتباه هنا، إذ إن الإمارات العربية المتحدة بما فيها إمارة دبي نفسها، بالطريق لرفع التطور من مناهج التدريس تدريجياً.
انطلق المشروع العراقي للترجمة في العام 2013 حيث تؤرشف نتاجاته على موقعهم الخاص مع إمكانية وصول لهذه النتاجات من خلال الفيسبوك حيث لديهم ما يربو على 140 ألف متابع لصفحتهم، كما أن لديهم قناة خاصة على يوتيوب؛ إضافة لمشروع الترجمة هناك مبادرة تحمل أهداف مشابهة تحمل اسم “العلوم الحقيقية” انطلقت في العام 2011 ولهم موقعهم الخاص أيضاً وصفحتهم الخاصة على الفيسبوك.
من ضمن مؤسسي المشروع العراقي للترجمة* حسن مازن الخيون، طالب الدكتوراه في الرياضيات التطبيقية بجامعة إكسيتر – وحلقة الوصل بيني وبين المشروع- ومدرس لعلوم الحياة، ومهندس مدني ذو خبرة بتبسيط العلوم، وطبيب، وخريجة أدب لغة إنجليزية.
يُترجم المشروع العراقي للترجمة مقالاتٍ ثقافية وفيديوهات ووثائقيات، بتركيز أكبر على المواد ذات الصبغة العلمية والموجهة لجمهورٍ غير متخصص، والتي يندر وجودها باللغة العربية، ويقوم نشاط المشروع بشكلٍ كاملٍ على جهود تطوعية، ويضم في الوقت الحالي ما يزيد على 50 متطوعاً مؤهلين في مجال الترجمة.
الرياضي المسلم محمد بن موسى الخوارزمي. ترجم الإسبان أعمال الخوارزمي للاتينية في القرن العاشر الميلادي.
 
المُنجز والتطلعات
يتطلع القائمون على المشروع لإطلاق مشروع ترجمة احترافي، في المستقبل، يُلهم الشباب العربي للعب دوره الكامل في التقدم العالمي، كما استطاع المشروع أن يجذب اهتمام بعض الشخصيات ذوي المكانة العلمية المرموقة، إذ أجروا مقابلة مع (نيل شوبين) صاحب الاكتشاف الشهير لسمكة التكتاليك (حلقة الوصل بين الأسماك والبرمائيات)، وإني لأعتبر كتابه “السمكة داخلك” واحد من كتبي المفضلة في مجال التطور، وقد ترجم المشروع الوثائقي الذي يحمل نفس الاسم للغةِ العربية.
حتى الآن، ترجم المشروع العراقي للترجمة ما يربو على 2000 مقال و60 فلم وثائقي وأكثر من 150 مقطع فيديو تعليمي، وتغطي مواضيعه مجالات عديدة من الحضارة السومرية إلى موجات الجاذبية مروراً بالسياسة والعلمانية والإسهامات النسوية في الفلسفة وتعايش البشر الحديث مع النياندرتال والدينيسوفان.
لا يتردد المشروع عن طرق المواضيع الحساسة، مع التشديد على أن ترجمة المواد لا تعني تبني وجهات نظر كُتاب النصوص الأصلية، والمواضيع المنشورة في الفترة الأخيرة تناقش كل شيء من طبيعة المعتقدات الدينية إلى سياسة الانفصال في كاتلونيا وكردستان، كما يُعتبر التطور واحداً من أكثر المواضيع شعبيةً، حيث وصلت عدد مشاهدات الجزء الأول من وثائقي السمكة داخلك إلى 90 ألف مشاهدة منذ شهر آب من عام 2016.
إن مجد العلوم العربية في عصرها الذهبي مُقدّرٌ بشكلٍ كبير في الغرب اليوم، وأسباب انحداره عديدة ومعقدة، وإن كان مقدراً لهذا الانحدار أن يتوقف فإن تغييراً من الداخل يجب أن يتم. إن المشروع العراقي للترجمة والحركة التي يعتبر جزءاً منها لعلامةٌ مشجعةٌ بأن هذا التغيير آخذٌ بالحدوث.
المقال باللغة الإنجليزية: هنا
—-
* تتضمن قائمة مؤسسي المشروع، أو الأعضاء ذوي الدور الفعال في انطلاقته، عدداً أكبر مما تم ذكره من قبل كاتب المقال، كما أن الأشخاص الذين أشار لهم الكاتب ولم يذكر أسمائهم هم بالترتيب كل من الزملاء، رعد طالب ومصطفى شهباز وعمر أكرم المهدي وريام عيسى. (المترجم)

عن حسن مازن

مدون مهتم بتبسيط العلوم والترويج للمنهج العلمي. محرر في موقع العلوم الحقيقية ومتطوع في المشروع العراقي للترجمة. طالب دكتوراه (رياضيات تطبيقية) في جامعة إكسيتر، الممكلة المتحدة وحاصل على ماجستير في الرياضيات من الجامعة المستنصرية، العراق.