الرئيسية - بايولوجي - لماذا تتغذى الغلاليات (البخاخات البحرية) على أدمغتها؟

لماذا تتغذى الغلاليات (البخاخات البحرية) على أدمغتها؟

ترجمة: زينب عبد محمد
تدقيق: نعمان البياتي
تصميم الصورة : حسام زيدان

مقال لبول براترمان
تعد بخاخات البحر من الأطعمة الشرقية والبحر متوسطية التقليدية، كما أنها تعد غذاءً جيداً للأسماك في مزارع الأسماك (أحواض تربية الأسماك) رغم أن الأسماك لها حرية محدودة في اختيار طعامها، كما أنها تعد مصدراً محتملاً جيداً للوقود البايلوجي، واستخدمت في الآونة الأخيرة في أبحاث بقيمة مليون جنيه استرليني £1,000,000؛ الأمر الآخر أن هذه الكائنات، والتي تعد من صنف الغلاليات الاسطوانية (Ciona intestinalis)، ما هي إلا قريبتنا نحن الفقريات.
يمكن القول إن بخاخات البحر تمتلك أقصى حد من الرضى عن الذات، إذ إنها في بداية تكوينها تكون أشبه بالعلجوم (فرخ الضفدع) لحد ما، مع امتلاكها دماغاً أو بصورة أدق (حويصلة دماغية cerebral vesicle) بالإضافة إلى امتلاكها لذيل يحتوي على حبل عصبي، وعمود فقري وعين بسيطة (ocellus) وعضو توازن (كيس توازن statocyst). إن السبب وراء كون البخاخات تشبه فراخ الضفدع شكلاً في هذه المرحلة هو لأنها مثلها فعلاً. فالحبل الظهري متصل بالعمود الفقري كما هو الحال في الفقريات، ويمر الحبل الشوكي بشكل موازٍ للعمود الفقري على طول الذيل المرن، وينتهي الحبل الشوكي بالرأس المحتوي على دماغ بدائي يقوم بتنظيم المدخلات الحسية.
ولكن عند نضوجها تقوم بإلصاق رأسها على صخرة، وتتحول إلى هيئتها البالغة والتي تختصر إلى فم (سيفون خيشومي) ومعدة وأنبوب إخراج (سيفون خارجي). إن البخاخات كائنات خنثوية الجنس، إذ لديها خصية واحدة ومبيض واحد ويقوم كلا العضويين بعملية الطرح من خلال أنبوب الإخراج أو السيفون الخارجي؛ وهناك آليات معقدة لمنع عملية التخصيب الذاتي من الحدوث. تقوم البخاخات بحماية نفسها عن طريق إنماء طبقة سطحية أو غلالة متكونة من مادة أشبه بالسليلوز، ومن هنا تستمد اسمها العلمي المعروف بالغلالة، ويجدر الذكر إن البخاخات البحرية تتغذى أو بمعنى أصح تعيد امتصاص الحبل الظهري والذيل والأعضاء الحسية وجهازها العصبي، وذلك لأنها لا تعود بحاجة لوجود هذه الأعضاء، أما فيما يتعلق بعملية إطعام نفسها، فتتم من خلال السيفون الداخلي وذلك بإدخال الماء الى التجويف الفمي ومن ثم تقوم بعزل الجسيمات العالقة، وهذا الشرح يفسر فكرة تناول البخاخات البحرية لأدمغتها (الأمر بحاجة إلى كتابة منشور كامل منفصل)، ومقارنتها بالرحلة التي يخوضها البرفسور ليتولى منصباً جامعياً مرموقاً، (مع ملاحظة أني كنت أحد هؤلاء الأساتذة).
وتجدر الاشارة إلى أن عنوان هذه المقالة قد يبدو معقد الفهم (راجع مقالة عام 2005)، الأمر الذي يدفعني لاستبداله بأخر يسهلُ على القراء فهمه وهو (ارتقاء الأساسيات).
إن البخاخات البحرية أو الغلاليات Tunicates هي المجموعة الشقيقة للفقريات vertebrates مما يعني أن الغلاليات والفقريات قريبتان من بعضهما أكثر من أية مجموعة أخرى بالرغم من اختلافهما المظهري، إذ كان يُعتقد لسنين طويلة أن أقرب مجموعة للفقريات هي السهميات lancelets، وهي حيوانات ذات أجسام بسيطة سمكية الشكل والتي تجعل الرمال مخبئاً لها؛ ورغم شيوع هذه الفكرة، إلا إن إحدى الأدلة أثبتت القرابة بين الثدييات والغلاليات، فقد تبين بأن كلاً من الفقريات والبخاخات وخلال فترة نضجهما امتلكتا حاسة الشم على العكس من السهميات (الحيتان المنتمية إلى الفقريات لا تمتلك حاسة شم أيضاً وذلك لعدم حاجتها إليها، بيد أنه لا يزال حمضها النووي يحتوي على نسخة متناقصة من الجينيات المسؤولة عن الشفرة الخاصة بالأعضاء الحسية في الثدييات، والتي حسب توقعاتنا ما هي إلا صفات ورثتها الحيتان من أسلافها البرية).
لم يُحل هذا الجدل حتى عام 2006، حيث أظهر تحليل جزيئي (وهو بصورة أساسية نفس نوع تحليل الحمض النووي الذي يستخدم في يومنا هذا لتحديد هوية الأب في المحاكم) بأن الفقريات أمثالنا نحن البشر، والغلاليات مثل البخاخات، مترابطتان، وكما يسميها العلماء، مجموعتان شقيقتان، على عكس الحال مع السهميات التي يمكن وصف صلة القرابة بينها وبين البخاخات بأنها صلة أبناء عمومة؛ ويجدر بالذكر إن هذا التباعد حدث قبل أكثر من 550 مليون سنة، وقد تغيرت العديد من الأمور منذ ذلك الوقت ولأسباب غامضة، فعلى سبيل المثال، تطورت البخاخات اليوم إلى امتلاكها جينوم أبسط وما هذا الأمر إلا نتيجة للخسارة الجينية، ومن جانب أخر تطورت الفقريات خلال مضاعفة خلاياها؛ يُثبت ذلك بأن التطور ليس بالضرورة ارتقاءً فنحن لسنا أكثر تطوراً من البخاخات بيد إن كلاً منا قد سلك طريقاً مختلفاً عن الأخر ومثيراً للاهتمام لكل منا في آن واحد خلال رحلة التطور.
وبهذا نستنتج أن المظاهر قد تكون خادعة، وفي حقيقة الأمر إن للغلاليات استراتيجيات متنوعة ومثيرة للاهتمام فيما يتعلق بتاريخها الحياتي وطرق تكاثرها، والتي تتضمن الاستنساخ والجنس الجماعي وتغيير الجنس عند بلوغ منتصف العمر، (تقوم بذلك السالبيات أيضاً وهي رتبة من الغلاليات)، وتقترح المقارنات الجزيئية التي تم إجراؤها بين نوعين من الغلاليات، دائمة الترحال وتلك التي لا ترتحل، بأن أسلوب الحياة الأخير لوحظ أكثر من مرة، وأن للغلاليات القدرة على تغيير هيئتها بوتيرة سريعة جداً.
لقد أنفقت الحكومة النرويجية ما يقرب من 8.7 مليون كرونة نرويجية على هذه الكائنات، والسؤال الذي يطرح نفسه ما الذي دفع الحكومة للقيام بذلك، وما الذي يأملون الحصول عليه بالمقابل؟ تقوم الفكرة على وضع صفائح بلاستيكية ضخمة في المضائق النرويجية، مع وضع العوامات البحرية الطافية فوقها ومتصلة بها لتبقى عمودية، ومن ثم السماح لأنواع محددة من بخاخات البحر بالنمو عليها واستيطانها. في هذا الصدد تعد المضائق مثالية في تكوينها لهذا الأمر، لكونها وديان منحدرة نحتت بسبب العصور الجليدية؛ لن يتطلب الأمر إطعام البخاخات البحرية لأنها ستحصل على كمٍ كافٍ من التغذية من الأجزاء المتدلية من القطع الجليدية، كما أن هذه المواد الغذائية لن تُستَنفذ لأن الماء يتجدد مرتين في اليوم بواسطة المد والجزر؛ وتجدر الإشارة إلى إن البخاخات البحرية لا تجذب أي مفترس، بسبب الغلاف شبه السليلوزي الذي تملكه، وبالتالي فإن حصادها لن يجرد أية كائنات أخرى من مصدر غذائها الطبيعي؛ وكمصدر للبروتين، فإن المشروع سيكون أكثر كفاءة بمئة مرة من الحيوانات التي تعيش على الأرض. إن هذا في الحقيقة عمل تجاري كبير، لأن النرويج تعد واحدة من الدول الرائدة في مجال إنتاج أسماك السلمون، حيث سيتم استخدام هذه الكائنات كغذاء للسلمون بدلاً من الأسماك التي يتم عادة استخدامها لإطعام السلمون، كما ان البخاخات البحرية تعد مصدراً غنياً لأحماض الأوميجا 3 الدهنية، والمنتَجة من قبل الكائنات الدقيقة الموجودة فيها، والتي ستنتهي في تكوين أسماك السلمون حالما تتناولها الأخيرة.
هناك فوائد أخرى للغلاليات، ففي الوقت الحالي ينقسم الوقود الحيوي إلى نوعين: النوع الأول مشتق من النشاء والنوع الثاني هو الوقود المشتق من الزيوت النباتية، وكلا النوعين يتنافسان مع الغذاء؛ هناك ارتياب حقيقي حول ما إذا كان كحول الذرة، الشراب المحبوب لدى مزارعي الغرب الأوسط الأمريكي، يساهم في انخفاض الاحتباس الحراري، بعد الأخذ بعين الاعتبار الطاقة التي تحتاجها هذه الحبوب خلال فترة النمو والتخصيب، وحقيقة أن أغذية أخرى تنبغي زراعتها في أماكن أخرى. في رأيي لن يكون بإمكان الوقود الحيوي إحداث أية مساهمة حقيقة في إمداد العالم بالطاقة حتى نتمكن من تطوير تكنولوجيا جيدة تمكننا من استخلاص الكحول من مادة السليلوز، وهذا الأمر أصعب من استخلاص الكحول من النشاء؛ صحيح أن كلاً من النشاء والسليلوز من البوليمرات المشتقة من الجلوكوز، إلا إن الاختلاف الوحيد بينهما يكمن بالطريقة التي تتصل بها وحدات الجلوكوز مع بعضها، والطريقة التي يمكن من خلالها حل السليلوز وتحويله إلى وقود حيوي موضوع مهم في الفترة الحالية.
لكن وبحسب ما تشير المجموعة البحثية، المموَّلة من قبل المجلس النرويجي للأبحاث، بأن السليلوز المأخوذ من الخشب يمتاز بامتزاجه مع بوليمرات متينة أو قاسية التركيب تعرف باللجنين، الذي يجعلها عسيرة الهضم. يجدر بالذكر أنه توجد مصادر نباتية أخرى للسليلوز وهي معقدة التركيب أيضاً، وعلى أية حال فإن الأراضي المستخدمة في زراعة محاصيل الوقود الحيوي تصبح غير صالحة للزراعة، أو من أجل عمليات امتصاص الكربون الطبيعية مثل تكوين الخث النباتي، وبهذا نستنتج أنه لو كان للوقود الحيوي مستقبلاً ما، فإن المصادر المائية ستكون أوفر حظاً.
إنني أعتقد بأن التطورات الحالية هي للأغراض التجارية، لكن المجموعة البحثية حصلت على براءة اختراع لغرض محاولتهم إنتاج الوقود الحيوي من الغلاليات، ولاستخدامها كطعام للحيوانات.
في النهاية يبقى لدينا سؤالان ينشدان الإجابة وهما: هل سيتم استحداث طريقة جيدة لانتزاع الماء من الغلاليات، والذي يمثل 95 بالمئة من كتلتها؟ وسؤال آخر خاص بي، كيف سيكون طعم السلمون المتغذي على الغلاليات؟

المصدر هنا

عن رفل مناضل

رفل مناضل