الرئيسية - سياسة - ما تعريف الأمّة في القرن الواحد والعشرين؟

ما تعريف الأمّة في القرن الواحد والعشرين؟

ترجمة: مانويل حنكو
مراجعة وتدقيق: نعمان البياتي
تصميم الصورة : حسام زيدان

بقلم : MICHAEL GOLDFARB

أثارت استفتاءات الاستقلال الأخيرة في كردستان العراق وكتلونيا، وردة الفعل الصارمة المتوقعة من قبل الحكومات المركزية في بغداد ومدريد، موجة عارمة من التساؤلات، عن معنى الانتماء القومي في القرن الواحد والعشرين؛ ما هي القومية؟ وما المقصود بالدولة القومية؟ هل يُعنى بها الوطن؟ هل الشعب أو القبيلة مرادفان للوطن؟ ماذا تعني السيادة القومية في الاقتصاد العالمي؟
باعتقادي إن معظم الأمريكيين لا تخطر على أذهانهم هذه الأسئلة، فهم يعيشون ضمن “أمّة واحدة غير متجزّئة”، وإن كان بلدهم لا يتماشى مع هذا المبدأ مؤخراً. ولكن أصبح سؤال “ما هي الأمّة؟” مطروحاً بشكل ملح في أنحاء متعددة من العالم لثلاثة عقود، منذ نهاية الحرب الباردة.
فقد ظهرت 15 دولة جديدة تقريباً من رحم الاتحاد السوفييتي وحده، وأعاد المستوطنون الأوروبيون ضمن الاتحاد تشكيل أنفسهم؛ خلال السنوات الخمس عقب انهيار جدار برلين، وافقت ألمانيا الشرقية على أن يتم شراؤها على نحو فعّال من قبل الألمان الغربيين، وجيكوسلوفاكيا أصبحت دولتين مختلفتين بناءً على التفاوض، في حين إن يوغسلافيا أمست في نهاية المطاف سبع دول بإراقة الدماء.
لم تُوفَق كافة المجاميع السكانية في إنشاء دولة خاصة بهم، فالأكراد لم يتوقفوا عن السعي نحو دولتهم الخاصة بالرغم من شبح القمع.
لغرض فهم هذه الحاجة الملحة لإعادة رسم الخارطة، عليك الاطلاع على التاريخ الامبراطوري الحديث، فقد تم ترسيخ الحدود الكردستانية واليوغسلافية، والتي كانت متقاسَمة من قبل الامبراطوريتين العثمانية والنمساوية – الهنغارية عند نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت الخطوط الحدودية هذه ذات وقع طفيف على الطموح العالمي، في حين كانت ذات أهمية بالغة عند الامبراطوريتين المنتصرتين بريطانيا وفرنسا؛ وقد تم الحفاظ على هذه الحدود بعد الحرب العالمية الثانية من قبل القوى العظمى، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، اللتان أزاحتا كلاً من بريطانيا وفرنسا.
بدأ السعي نحو فكرة القومية مع انتهاء الشيوعية، وتوسعت هذه الفكرة عندما بدأت الأمم الغربية بشق طريقها للتعافي من الانهيار الاقتصادي عام 2008.
فقد طرح بريكست جدالاً داخلياً شغل البريطانيين منذ الانهيار الاقتصادي حول ماهية أمتهم وما يجب أن تكون عليه.
وزاد هذا الانهيار من الأصوات الداعمة للحزب القومي الإسكوتلندي، الذي حاز على تصويت الأغلبية في البرلمان الإسكتلندي عام 2011، فخلال استفتاء أجري عام 2014، سُئل الإسكتلنديون، “هل يجب على إسكتلندا أن تكون دولة مستقلة، نعم أم كلّا؟” فكانت أصوات الرافضين للاستقلال ذات أغلبية، ولكن هذه لم تكن نهاية القصة، لأن الشعور القومي الإنكليزي كان قد أُثير.
في عام 2016، قرر رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، الذي كان قد فاز في استفتاء إسكتلندا، إجراء استفتاء آخر فيما يخص عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي: “هل يجب على المملكة المتحدة البقاء عضواً في الاتحاد الأوروبي أم لا؟”.
الجدل حول الاستمرار في الاتحاد الأوروبي كان قد أقيم على إثر السيادة القومية، فهو لم يكن جدلاً حديثاً؛ فعندما بدأ الاتحاد الأوروبي إجراءاته الحثيثة تجاه مستقبل فيدرالي في أواخر الثمانينات، امتنعت بريطانيا من المشاركة؛ من وجهة نظر مارجريت تاتشر فإن الانضمام لأوروبا فدرالية، يعني نهاية الاستقلال القومي لبريطانيا، فبسبب حجم بريطانيا وأهميتها الواسعتين في المنطقة، كانت قادرة على الانسحاب من التدابير الأساسية للاتحاد الأوروبي، مثل اتفاقية شينغن التي تسمح بحرية التنقل بين الدول الأوروبية، إضافة للعملة الموحدة، اليورو.
إن الخوف من السيادة جعل الناشطين المدنيين الإنكليز غير عقلانيين، فخلال الاستفتاء الإسكوتلندي بيّن الاتحاد الأوروبي للإسكوتلنديين أنهم إذا ما اختاروا التصويت للاستقلال من بريطانيا، فإن دخولهم للاتحاد الأوروبي، وإقرارهم لليورو كعملة لهم لن يكون سهلاً، إذ لم يكن من الممكن تخيل سيادة أفضل من السيادة البريطانية.
عندما تم فرز أصوات الاستفتاء، 53% من الإنكليز صوتوا بالمغادرة بينما اختار 62% من الإسكوتلنديين التصويت لصالح البقاء؛ تعبيران واضحان للإرادة الوطنية ولكن لم يُمتثل إلا لواحد منهما فقط.
ما مقدار أثر الصوت الإسكوتلندي على قرار كتالونيا بإقامة استفتاء للاستقلال؟ هل أخطأ رئيس برلمان كتالونيا كارلوس بويدمونت، عندما افترض أن نسبة كبيرة من الكتلونيين قد يصوتون ضد الانفصال مثلما حصل في استفتاء انفصال إسكتلندا من المملكة المتحدة؟
ألم يكن يعلم أن وعد الاتحاد الأوروبي باحترام سيادة الأعضاء الموجودين لن ينفع بعدما قامت الحكومة الإسبانية بإرسال حرس مكافحة الشغب لإيقاف الاستفتاء؟
الأزمة الكتالونية تقود إلى سؤال أخير حول القومية: هل تستطيع الأمم الأوروبية الغربية المحافظة على ثرواتها ومستوياتها المعاشية العالية في خضم الاقتصاد المتضخم، من دون جرِّ أمّتهم إلى شيء أكبر؟
بدايةُ الإجابة على هذا السؤال المعاصر تأتي من الماضي، فقبل حوالي 500 سنة، في زمنٍ آخر من التباينات السياسية والاقتصادية، سُئل أحدُ البولنديين النبلاء الذي ضاع اسمه في التاريخ، عن هويته القومية فأجاب: “أنا من الأمة البولندية، من جنسية ليتوانية، من الشعب الروثيني، ومن أصل يهودي”.
هذه الإجابة تدعم وجهة نظر البيرت ريفيرا، والذي يقود إحدى الأحزاب اليمينية الرافضة للاستقلال في كتالونيا حيث يقول: “كتالونيا هي موطني، وإسبانيا بلدي وأوروبا مستقبلي”.
هل من الممكن أن تصبح أوروبا أمّة؟ هذا إحدى أكثر الأسئلة جدلاً في القرن الواحد والعشرين.

المصدر هنا

عن رفل مناضل

رفل مناضل