الرئيسية - بيئة - خلاف بين العلماء حول مقولة انخفاض العنف عبر الزمن

خلاف بين العلماء حول مقولة انخفاض العنف عبر الزمن

ترجمة: أسماء إبراهيم
تدقيق : ريام عيسى
تصميم الصورة : حسام زيدان

دراسة عن ضحايا الحروب تفيد بإن النسبة الأكبر من السكان لا تزال عنيفة لكنها تجد الأمان في الكثرة العددية.
مقال ل: Bruce Bower

خلافاً للفكرة السائدة بين الباحثين فإن المجتمعات الحضرية لم تقض على ذلك الميل القديم لدى البشر لقتل بعضهم البعض في الصراعات, هذا ما استنتجته إحدى الدراسات الجديدة المثيرة للجدل, لكن العيش في مجتمعات مكتظّة قد يزيد فرص الفرد للنجاة من الحروب كما يرى اثنان من الانثروبولوجيين.
ومع زيادة نسبة السكان, تقضي أعداد كبيرة من المقاتلين في الحروب, لكن اولئك القتلى يمثلون نسبة مئوية صغيرة من عدد السكان الكلي, هذا ما قاله دين فولك(Dean Falk ) من جامعة فلوريدا في تالاهاسي وتشارلز هايلدبولت (Charles Hildebolt) من جامعة واشنطن, كلية الطب في سانت لويس. هذا النمط ينطبق على كلا المجتمعين: الحضري المدني والصغير حسب تقرير الباحثين الصادر في 13 تشرين الاول في مجلة أنثروبولوجيا اليوم Current Anthropology.
يظن الباحثون إن الزيادة في العدد النهائي لقتلى الحروب في المجتمعات الإنسانية جاء بسبب اختراع الأسلحة الأكثر فتكاً من ذي قبل, حيث تطورت الأسلحة من الفؤوس الحجرية الى القنابل المحمولة جواً. لكن فولك وهايلدبولت بينوا إن الدول التي تنحصر القوة السياسية في يد حكوماتها البيروقراطية هي الأقل عرضة لخسارة نسب كبيرة من سكانها في الحروب من تلك المجتمعات الصغيرة كتجمعات الصيد والجني. وهذا ناتج من قيام الكثافة السكانية الكبيرة بدور الحاجز المانع لخسائر الحرب بين العزل من غير المقاتلين الذي لا يقلون شهية للعنف عن اولئك.
يقول فولك إن:” المجتمعات الصغيرة ليست أكثر عنفاً من الدول المتحضرة, لكن هناك أماناً تمنحه الكثرة العددية.”
يقول فولك ان الاستنتاجات الجديدة تتحدى الفكرة الشائعة منذ خمسة الالاف عام والقائلة بإن الدول الحضرية قلّلت من العنف ومن أعداد قتلى الحروب التي ميزّت المجتمعات البدائية الصغيرة.
وقد ناقش عالم النفس من هارفرد ستيفن بيكر في كتابه الصادر العام 2011 (ملائكة بشرية)(The Better Angels of Our Natures) قيام الدول بالسيطرة على تيارات العنف بطرق عدة منها تشكيل شبكات التجارة والقضاء على السطو والضغائن.
وقد قام بنكر بحساب المعدل السنوي لنسب قتلى الحروب في سبع وعشرين من المجتمعات غير الحضرية المعاصرة فكانت النتيجة هي 524 قتيل من بين كل 100,000, اي حوالي نصف الواحد بالمئة.
الدول التي تمتد من امبراطورية الازتيك لتشمل روسيا القرن العشرين والولايات المتحدة كانت معدلاتها لا تتجاوز النصف تقريباً مع تلك النسبة (had rates no more than about half as large as that)حتى في ظل حربين عالميتين.
بيانات فولك وهايدبولت لا تدعم عمومية الحجة القائلة بالأمان في الكثرة, و يقول بنكر:” بالنسبة للشخص العادي, فإن الحياة كانت أكثر خطرا بكثير في المجتمعات غير الحضرية.”
في الدراسة الجديدة قام فولك وهايدبولت بتحليل البيانات المجموعة سلفاً عن كثافة السكان والوفيات الناتجة عن الصراعات بين الجماعات في 11 تجمعاً للشمبانزي البرية, و24 مجتمعاً غير حضري و 19 بلداً من البلدان التي شاركت في الحرب العالمية الاولى و22 بلداً شاركت في العالمية الثانية. بيانات الحربين العالميتين أحصت فقط القتلى من العسكريين. كل حرب عالمية ضمت بلدانا متفاوتة الكثافة وقدمت عدة ملايين من الضحايا العسكريين وهذا ما جعل الصراعين حقلا مناسباً لدراسة تأثيرات الكثافة السكانية على ضحايا الحروب, كما أكد الباحثون. كما وشملت الدراسة بيانات من 97 حرباً بين الدول في الفترة من 1820 الى 1997. وقم تم احتساب النسبة المئوية لمعدل الوفيات السنوي بالنسبة للمجموع الكلي للسكان في كل حرب.
وكمعدل فإن الشمبانزي لم تكن بنفس معدل العنف مقارنة مع البشر, ولايزال, كما في المجتمعات البشرية معدل الوفيات السنوية من الصراعات في تجمعات الشمبانزي في تناقص كلما ازدادت نسبة الأفراد.
ولم يختبر الباحثون فيما لو كان هناك علاقة بين معدل الوفيات السنوي لأسباب غير حربية كالجريمة والارهاب في المجتمعات البشرية وبين الكثافة السكانية. لكن فولك يشك في إن نمط “السلامة في الكثرة العددية ” يسري على أعمال العنف خارج نطاق الحروب.
لكن بنكر لا يوافقه الرأي مؤكداً ان الكثير من المجتمعات غير الحضرية قد شهدت معدلات عالية من قتلى العنف بنسبة أكبر من الدول الحضرية حتى خلال الحربين العالميتين الدمويتين. فحساب نسبة معدل الوفيات السنوي في المجتمعات غير الحضرية يخفي حقيقة ان معدلات الوفيات في ثمان من تلك المجتمعات المشمولة بالدراسة الجديدة يقدر بحوالي 4 الى 8% مقارنة بنسبة لا تتجاوز 2.5% في البلدان التي شاركت في الحرب العالمية الاولى وبنسبة لا تتعدى 1.5% للبلدان التي شهدت الحرب العالمية الثانية كما يقول بنكر.
كذلك لا تفسر كثافة السكان الفروق الهائلة في نسب الوفيات بين البلدان التي شاركت في الحربين العالميتين كما يضيف بنكر فعلى سبيل المثال ان حوالي واحد بالمئة من معدل الوفيات السنوية في الاتحاد السوفيتي خلال الحرب العالمية الثانية مقابل انعدام الوفيات في الهند له علاقة أكثر ببعد الهند بالآلاف الاميال عن مسرح الحرب الرئيسي أكثر مما له علاقة بكثافة السكان حسب قول الاخير.
أوضح كلاّ من فولك وهايدبولت ان نسبة معدل ضحايا الحروب تميل في الواقع للانخفاض كما زاد عدد السكان, كما يقول عالم الانثروبولوجيا الاحيائية بجامعة هارفرد ريتشارد رانغهام. لكنه يتفق مع بنكر بان الكثير من المجتمعات غير الحضرية تمتاز بكونها أكثر عنفاً من المجتمعات الحضرية.
نسبة كبيرة من الانخفاض في مستوى العنف في البلدان الحضرية الاولى بما فيها النسبة المنخفضة من الجرائم والصراعات الدموية قد تم تدعيمه بتشريعات قانونية و تنفيذ قانوني كما يقول استاذ العلوم السياسية في جامعة تل ابيب آزار غات. تقوم الدول بتمويل الحرب بتجنيد نسية قليلة من السكان في جيوشها التي تقاتل بعيداً عن أماكن سكنى المدنيين مما يؤدي الى تخفيض عدد الضحايا كما يقول غات. ويضيف إنه وخلال القرنين الاخيرين كان للمنافسة الاقتصادية السلمية بين الأمم الصناعية تأثيراً كبيراً على انخفاض أعداد الحروب وقوة فتكها.

المصدر هنا

عن رفل مناضل

رفل مناضل