الرئيسية / بايولوجي / تطور / التطوّر ليس إرتقاءً

التطوّر ليس إرتقاءً

ترجمة : زينب عبد محمد
تدقيق علمي : سامر حميد
تصميم : مرتضى ضياء

بقلم بول براترمان

ليس للتطور إي علاقة بالارتقاء , فالتطور في الغالب ليس لديه أي شيء يقدمه بخصوص التكيفات , فمن المحتمل جداً ان تنتشر تغيرات غير نافع في المجتمعات الاحيائية . ومن المفارقات ان هذا التغيير الغير تكيفي يمكن ان يكون توطئة ضرورية لتكيفات كبرى.
هذه التدوينة مستوحاة من صحيفة مقالات الرأي وبالاخص المقالة التي نشرت في مجلة BMC Biology والتي كانت بعنوان “عظمة و مأساة التكيف أو أهمية الفهم المحايد لعملية التطور ” و سوف أقوم بشرح معنى ”الفهم المحايد“ في الأسطر القادمة.
تعد هذه الورقة البحثية في حد ذاتها تقنية للغاية بوجود 86 مرجع إلى المحاضرة العلمية الأصلية إلا أنني سوف احاول تقديم لمحة عامة لبعض الأستنتاجات الرئيسية المتوصل إليها لتكون مفهومة ضمن سياق الموضوع.
لقد أعتقد دارون و الفريد والاس بأن التطور موجهه بالانتقاء الطبيعي. فاذا كان كذلك، فمن المنطقي أن نسأل عن الوظيفة التي تقدمها سمه معينه يمكن ان نجدها في كائن حي معين , والتي من الممكن ان تكون مساعدة في البقاء (الأنتقاء الطبيعي بأضيق معانيه ) أو قد تساعد في الحصول فرص مناسبة للتزواج ( الأنتقاء الجنسي ).
و بما أن تطور الانواع مقيدٌ بتاريخها فسيكون هناك سمات غير غير متكيفة بحد ذاتها ولكنها تأتي كنواتج جانبية لتلك التغيرات التكيفية الأكثر اهمية . وتتضمن حالات سوء التكييف العرضي هذا Maladaptationالتعرجات في الأعصاب و الشرايين الرئيسية في الجسم و التي هي عبارة عن نواتج غير مرغوب بها للتغيرات في تكوين الجسم منذ أيام أسلافنا الأوائل. واحد الامثلة المعروفة على ذلك هو العصب الحنجري الراجع والذي يلتف تحت الشريان الآورطي بالقرب من القلب و من ثم يدور صعوداً من الجمجمة إلى الحنجرة و المرئ . أما في الاسماك فهذا المسار يكون نوعاً ما أقرب إلى الخط المستقيم. ومما يجدر ذكره أيضاً أن سلوك العصب الحنجري الراجع لسلوك هذا المسار المتقطع هو نتيجة تغيير موضع كلا من القلب الشريان الاورطي إلى الاسفل من الجسم.
و بالمثل يمكننا أن نتوقع وجود أعضاء ضامرة كان لديها وظيفتها فيما مضى أما الآن هي خاملة أو زائده عن الحاجة و لكنها لم تختفي من التفصيل الجسمي و مثالاً عليها هي منطقة الحوض عند الحيتان التي ورثتها من أسلافها ذات الأربع قوائم. و تجدر الأشارة إلى أن مثل هذه الأعضاء الضامرة غالباً ما تكتسب وظائفاً ثانوبة و هذه الظاهرة تعرف ب نظرية التكييف المسبق Exaptation، لتوضيح ذلك يمكننا اللإشارة إلى وجود علاقة بين عظام الأذن في الثديات مع عظام الفك مرنة الحركة في الزواحف وفي هذا الصدد أيضاً يجدر الذكر بأن الحيتان تستخدم عظام الحوض و الفخذ في أثناء عملية التزاوج.
ان العمليات التكيفية وهي الرأي الداروني الذي ينص على أن كل سمات الكائن الحي ما هي إلا نتيجة الانتقاء الطبيعي سواءً كان ذلك بطريقة مباشرة أم لا. لذلك يجب تفسير كل سمة إما بحدود دورها الوظيفي أو كنواتج عرضية لخصائص أكثر وظيفية. و يمكن اعتبار هذا الافتراض كافياً لحد ما إلا أنه يحتاج إلى تفسير كما هو الحال مع بقية الفرضيات وإلا فسيكون محض افتراض ( قصة فقط ).
وقبل أن نُلزم أنفسنا بأيحاد دور وظيفي في إي حالة معينة علينا أن نظهر سبباً مقنعاً لافتراضنا وجود هكذا دور في الاصل. و هذا ما يعرف ب ”النظرية الحيادية للتطور“ المشار اليها فيما تقدم.
انه لأمر معروف عالمياً بأن السمات تظهر لا لسبب معين بل كنتيجة لما يدعى بالانحراف الوراثي Genetic Drift ويشير هذا المصطلح للتغيرات العشوائية المتراكمة في الجينوم والتي لا تمنح أي ميزة تطورية . تنبثق هذه الفكرة طبيعياً من علم وراثة المجتمعات الاحيائية (الوراثة السكانية) الذي كان منذ قرن من الزمان يضع النماذج ويقوم بدراسة ورصد المشاهدات والحسابات التي تكشف عن الكيفية التي تظهر و تختفي بها الطفرات الوراثية ضمن المجتمعات الاحيائية . يجدر الذكر بأن الكثير منا نحن القراء على علم بملاحظة دوبجانسكي في عام 1973 و التي تنص على أنه “لا شيء في البيولوجيا يبدو منطقياً إلا في ضوء نظرية التطور”. و لكن علينا أن نضع ما قاله مايكل لينش في عام 2007 بعين الاعتبار حيث تنص ملاحظته على ما يلي “لا شيء في البيولوجيا يبدو منطقياً إلا في ضوء وراثة المجتمعات الاحيائية” يعد هذا تغييراً كبيراً في وجهة النظر، فالتغيير التطوري ما هو الا نتيجة للانجراف الجيني فضلا عن كونه نتيجة الانتقاء انتقائي . وهذا يعني أن علينا أن نتوقف عن التفكير بالتطور كعملية يصبح فيها المجتمع الاحيائي أكثر ملائمة في عشه البيئي ولكن كشي أشبه بنتشار عشوائي ضمن الاحتمالات المتوفرة. أي الاختلافات الجينية سوف تختفي , وماسوف ينتشر من جيل لاخر ضمن المجتمعات سيكون أمر خاضع للأحصائيات.
و الان لناخذ بعين الاعتبار فرصة حدوث شيئ خطأ حيث تنشأ اختلافات وراثية في كل وقت نتيحة للطفرات ,الاخطاء تحدث دائما عندما يتم استنساخ الحمض النووي من جيل لأخر. فأن فرصة حدوث أي طفرة معينة تكون مستقلة تماماً عما إذا كانت مفيدة أم لا. كما أن الطفرات غير المفيدة سوف تحدث بشكل أكثر عن المفيدة منها و السبب ببساطة لأن هناك طرق أكثر لحدوث الأشياء الأكثر سوءً من تلك التي تؤدي لحدوث الأشياء المفيدة فعلى سبيل المثال إذا قمت بعمل تغيير عشوائي لكلمة ضمن جملة فأنه من غير المحتمل جداً أن يؤدي ذلك لتحسين معنى الجملة.
لذلك ما الذي نستطيع قوله عن فرصة أنتشار الطفرات المضرة ضمن مجتمع أحيائي معين؟ يتبين انه يعتمد على عاملين أثنين ؛ الاول و كما هو واضح هو ما مقدار مضرة هذه الطفرة على صعيد نجاح أنتقالها من جيل لاخر و الذي يعد امراً مهماً في هذا الصدد فكل ما زادت خطورة الطفرة كلما قلت فرصة سيطرتها، أما العامل الثاني فهو حجم المجتمع الاحيائي. والتأثير هنا ليس ما كنت لأتوقع إلى حدٍ كبير.
لقد كان اعتقادي البدائي، أن الصغط الانتقائي سوف يكون أسرع ضمن المجتمعات الاحيائية الصغيرة ببساطة لأنه سوف يكون هناك عدد أقل من الأفراد أقل شأناً ليتفقوا في المنافسة على وجودها إلا أن هذا جزء محدود من الحقيقة، حيث من المؤكد التغيير الجيني يمكنه أن يحدث بسرعة اكبر في المجتمعات الاصغر حجماً , كما ان نظرية التوازن النقطي لجولد والدريدج تسلط اهتماماً كبيرا بخصوص هذا الموضوع . ولكن من غير المؤكد أن التغير سيكون مفيداً فالمجتمعات الاصغر حجماً تتعرض لخطر عن طريق الخطا لحدوث تغيييرات مضرة فيها ( هنا يكمن السبب في صعوبة انقاذ الانواع المعرضة لخطر الانقراض عند وصول عددها إلى الحد الأدنى ) . اما المجتمعات الاحيائية الاكبر حجماً فهي تتمتع بحامية أفضل من الانجراف ذو التكيف السيء , وذلك لان الاختلافات الوراثية الأقل تفضيلاً ستحتاج ان تتغلب على الكثير من الظروف لتبسط سيطرتها. يمكن تشبيه الأمر هنا بلعبة القمار فقد يتقدم بعض اللاعبين على طاولة الروليت في اللعب إلا أن الغلبة في النهاية تعود للكازينو نفسه.
و لهذا الأمر أنطباعات مفاجئة ، حيث يعد التطور بالنسبة للبكتيريا* التي تصل أعدادها إلى المليارات أمراً في غاية الأهمية. أما بالنسبة للحيوانات فان التزواج الداخلي ضمن المجتمع الاحيائي سوف ينتج أعداداً تصل إلى عشرات الآلآف من الحيوانات التي تكون اكثر عرضة للتدهور الوراثي العرضي وفي الوقت نفسه سيكون حدوث أي تحسن أو تطور نتيجة ذلك امراً غير مؤكد.
قد يبدو هذا سخيفاً فالبكتيريا تبقى بكتيريا وهي كائنات آحادية الخلية جيدة بفعل ما تطورت لفعلهُ، والذي يندرج اعتماداً على السلالة والتي تتنوع بين تأييض الاملاح إلى السلالات البكترية الاكلة للحوم البشر، و لكنها لا تمتلك التنوع في الهيئة وأسلوب الحياة الذي نملكه نحن الكائنات متعددة الخلايا و الذي نجده مذهلاً . أذن كيف ظهرت المملكة الحيوانية بشكلها الحالي إن كان التطور الحيواني غير ملحوظ؟
للاجابة على هذا السؤال يتعين علينا النظر بتمعن إلى عملية التطور. حيث غالبا ما يتم مقارنة مجموعة الاحتمالات التطورية بالمرتفعات الطبيعية : قمم تمثل اللياقة تفصلها بعص المنحيات. وهنا سوف يدفع الانتقاء الطبيعي المجتمع الاحيائي الى اعلى طول المنحدر حتىى يصل الى القمة والتي تعد بيئة التكيف المثالية، في هذه المرحلة يصبح التطور قوة مقاومة للتغيير بصورة عالية . فلطالما تعيش البكتريا تحت ظروف مستقرة سوف تبقى كثافتة المجتمع الاحيائي الخاص به مقيدة ببيئة التأقلم المثالية، وعلى النقيض إن قمنا بتغيير الظروف بحيث تصبح الظروف ملائمة للطفرات أو التحولات الجينية بشكل يسمح للبكتريا بالتأقلم مع التغيير، فكما هو معلوم لنا تطور البكتريا المستمر ومقاومتها للمضادات الحيوية. يمكننا أن نشاهد هذه العملية في تجربة يتم العمل عليها في جامعة هارفرد و تسمى بـ “التطور على طبق” و التي توضح أن انتشار البكتريا في وسط مغطى بالغار يتوقف عند اصطدامها بمضاد حيوي ذائب لحين ظهور مقاومة نتيجة حدوث طفرة لتكمل الطريق و تتمكن من التغلب على المضاد.
و الآن لنركز على شيئ آخر و لنعتبر بأن الجينوم نفسه خاضع للصغط التطوري وكذلك كناقل للمعلومات التطورية . تخيل حصول تغيير يطيل من الحمض النووي بدون التأثير على كمية المعلومات المنقولة .و هذا الامر وارد الحدوث. حيث يمكن لأي تمدد في الحمض النووي أن يُستنسَخ مرتين حين انتقاله من جيل لآخر أو كما هو الحال في الحمض النووي الفايروسي الذي يمكن أن يصبح مرتبطاً بالجينوم بدون إي دور وظيفي له، إلا أن عملية الاستطالة عنذئذ سوف يكون لها ثمنها عندما يتعلق الأمر بالتكاثر سوف يتعين على الكائن أو المنظومة الحيوية ذات الجينوم الأطول أن تستهلك موارد أكثر بقليل من أجل إتمام عملية أستنساخ الحمض النووي بدون وجود أي فائدة .أن الأجزاء غير المستهلكة من الجينوم تولد تحت نظام تطوري صارم كذلك في البكتريا ، و لكن يمكنه النجاة لعشرات ملايين السنين في الحيوانات و يمكن استخدامها لتتبع علاقتها الاسرية فهي تؤكد على سبيل المثال أن البشر مرتبطين اكثر مع حيوان الغوريلا أكثر منهم مع قردة الغيبون والحيتان أقرب إلى الثدييات ذات الحوافر التي تعيش على اليابسة.
لطالما كان تأثير عملية الإدراج Insertions والتكرار الجيني Duplications هو جعل الجينوم الخاص بالنباتات و الحيوانات أكثر تعقيداً مما ينبغي. تشير التقديرات الحالية إلى أن حوالي أقل من 2 بالمئة من الجينوم البشري ذي فائدة فيما يتعلق بتشفير البروتينات الجينية في حين أن 10 بالمئة الأخرى لديها وظيفية تنظيمية في تحديد أسئلة مهمة مثل متى يتم استعمال الجينات المفيدة و ما تبقى يمكن عده مجرد خردة (بقايا جينية غير مرغوب بها).
و تجدر الاشارة هنا إلى أن البقايا الجينية * غيرالمرغوب بها هنا ليست قمامة بلا أهمية حيث تعني الاخيرة عدم الفائدة بيد أن هذه الخردة غالباً ما تعني عدم الجاحة اليها في الوقت الراهن كما أن الخردة هذه دائمة التجول بوتيرة اسرع من المواد المستخدمة حاليا وذلك بسبب عدم وجود ضغط تطوري لإزالة الاخطاء لذلك فقد تتحول سلالة عديمة الفائدة إلى سلالة تكتسب دوراً وظيفياً لوجودها وهذا الدور أو الوظيفة بالإمكان أن يصبح بدوره و بمرور الوقت مهم. و يجدر الذكر في هذا الصدد أن هناك أيضاً أجزاء من حمض نووي مشتق من فايروس يلعب ادواراً مهمة في تطور المشيمة لدى الثدييات.
أن المرونة التطورية التي تمنحها خردة الحمض النووي لها تكلفتها , فهي تترك الحيوانات مع مشكلة لا تمر بها البكيريا وهي كيفية التأكد من انه سوف يتم تفعيل الاجزاء الصحيحية أو المطلوبة من الجينيوم. نتيجة لذلك طورت الحيوانات أجهزة مفصلة للتعامل مع هذه المشكلة. تمت منافشة هذا الموضوع بصورة اكثر تفضيلاً في التدوينة الذي الهمت كتابة هذا الموضوع .
وقد أدى الحمض النووي الفائض والناتج من عملية الاستنساخ دوراً مهماً في التطور. فجهاز التمثيل الضوئي للنباتات يحتوي على عنصرين رئيسين و هما النظام الضوئي I و والنظام الضوئي II ولكل منهما دور مختلف في عملية تحويل لضوء الى طاقة كيميائية مفيدة ,كما تُظهر الدراسات البحثية على سلسلة الحمض النووي بأن هذين النسختين تطورتا من نسختين توأمتين من نفس السلف.
لنأخذ بعين الاعتبار الألوان الثلاثة التي كانت تستمتع بروؤيتها قرود العالم القديم والمنحدرين منها بمافي ذلك البشر . فغالبية الثدييات الأخرى تستطيع تمييز اللون الأزرق من الأخضر لكنهم مصابين بعمى الالوان فيما يتعلق بروؤية اللونين الاحمر و الاخضر . و الأن لنأخذ الحمض النووي الذي يحدد الجزيء المستقبل للضوء الذي يجعل نوع واحد من المستقبلات حساساً للون الاخضر و نقوم بمضاعفته. سوف نلاحظ بأن هذه النسخة الأضافية لها حرية التحول الجيني و هناك نوع واحد من التحول الذي سوف يحول التحسس اللوني من الأخضر إلى الأحمر و هذا ما حدث.
إن أعقد صيغة من مضاعفة الجينيوم هي مضاعفته بأكمله. و لقد حدث هذا الامر مرتان قبل حوالي 450 مليون سنة خلت في وقتٍ ما بعد انفصال الفقاريات عن الكأسيات البحرية ولكن قبل وصول أول الفقريات إلى اليابسة، أختفت اغلب المتكرارت. و يجدر الذكر بأن تضاعف الحمض الريبي النووي منقوص الأكسجين تمكن من النجاة بترتيب جيني يسمح له بالتواجد في جينيوم الفقريات الحديثة و من ضمنها نحن البشر الذي ندين بوجوده إلى هذا العيب الخلقي.

المصدر هنا

عن

شاهد أيضاً

النشاط الحضريّ للإنسان يجعل الحيوانات تُطوّر أدمغة أكبر

كتبه لموقع “بوب ساينس: شاوناسي فيرو منشور بتاريخ: 22/8/2018 ترجمة: أحمد لاوي تدقيق: رعد طالب …

دراسة تكشف: كسل “الهومو إركتوس” أدّى إلى اِنقراضهم

كتبه لموقع”فيز دوت اروغ”: آرون ووكر منشور بتاريخ: 2018/8/10 ترجمة: أحمد طريف المُدرّس تدقيق لغوي: …