الرئيسية - سياسة - ما هي الليبرالية؟

ما هي الليبرالية؟

ترجمة: أمنة الصوفي
تدقيق: مصطفى شهباز

ما هي الليبرالية؟ ينتشر هذا المصطلح في كثير من الأحيان في النقاش السياسي، ولكن وبصورة محيرة، يمكن ان يشير الى نطاق واسع من الاراء الفكرية. لذلك، على سبيل المثال، قد يفضل صنف من الليبراليين (“الاجتماعي” أو “اليساري” الليبرالي) توفير الرعاية الاجتماعية الكريمة وإعادة توزيع الثروات، في حين أن البعض الآخر (“الاقتصادي” أو “الكلاسيكي” الليبرالي) قد يفضل الاقتصاد الحر والحد الأدنى لتدخل الدولة. وتصبح الصورة أكثر إرباكا عندما يؤخذ المشهد السياسي الأمريكي بعين الاعتبار. فمصطلح “ليبرالي” غالبا ما يستخدم هناك بالتبادل مع مصطلح”يساري”. وما يجعل الامور محيرة اكثر، هو ان المحافظين الأمريكيين الذين يكرهون التحرر هم من أنصار من السوق الحرة – أي الليبراليين الاقتصاديين.
اذن كيف يمكننا الحصول على مفهوم واضح لهذه الفلسفة السياسية الزلقة؟ غالبا ما يحدد الباحثون السياسيون سلسلة من المفاهيم الثابتة التي تعتبر الخصائص الأساسية لليبرالية. وقد تشمل هذه المفاهيم الحقوق، الحرية، الديمقراطية، التسامح، الدستورية وحقوق الإنسان. البعض منها أكثر إقناعا كمبادئ أساسية لليبرالية من غيرها – حتى وقت قريب تاريخيا، كان العديد من الليبراليين خصوما للديمقراطية على سبيل المثال. فالحرية والدستورية والتسامح أجدر بالانتماء لهذه الفلسفة ولكنها ليست ملكا حصريا لها. جزء من المشكلة في السعي إلى تعريف الليبرالية بهذه الطريقة هو أن الليبرالية تهيمن اليوم على أجزاء واسعة من العالم. فلم تعد حركة سياسية محددة بشكل حاسم بل بمعنى من المعاني ممثلة للفكر السياسي الحداثي. هناك عدد قليل من التقاليد السياسية التي تنشق عنها بوضوح، لأن معظم التقاليد الأخرى تقع ضمن هذا السياق المهيمن. وهكذا، حتى التوجه المحافظ الحديث الذي يعتبر بديل لليبرالية، والاشتراكية أيضا، ليس مستقلا تماما عنهما.
ومن الأفضل فهم الليبرالية بأنها “حركة تاريخية لمجموعة أفكار ” بدلا من كونها مجموعة من المفاهيم الثابتة والمجردة. على هذا النحو، فقد تطورت مع مرور الوقت. كخطاب سياسي، حيث قدمت الليبرالية مجموعة من الأفكار التي يمكن التعبير عنها بطرق مختلفة. وقد تم هيكلة الليبرالية وتكييفها باستمرار، وانقسمت مع مرور الوقت إلى فروع مختلفة. أما الشكل السائد الذي اتخذته تاريخيا فقد تنوع من فترة إلى أخرى، و أتخذ هيئات متفاوتة في بلدان مختلفة. ومن ثم، فإن السياق التاريخي والاجتماعي والسياسي سيعطي المعنى الدقيق لمصطلح الليبرالية.
ومن المجدي اعتبار الليبرالية كتقليد سياسي تطور، جزئيا، كأيديولوجية للطبقة البرجوازية. وهذا ما يفسر مسارها التاريخي الواسع على مر القرون. ظهرت الليبرالية كفكر ثوري عكس طموحات البرجوازية المتزايدة فيما يتعلق بإلغاء الامتيازات الإقطاعية. وحققت الليبرالية انتصاراتها السياسية الحاسمة في الثورات في إنجلترا والولايات المتحدة وفرنسا في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وكان نهوضها متزامنا مع نهوض الرأسمالية. ومع نمو الرأسمالية، تحولت الليبرالية من التحرر المتفائل إلى موقف أكثر تحفظا، مشككة في المشاريع الكبرى للتغيير الاجتماعي.
ومع ذلك، ولأن الليبرالية نادت بمبادئ عالمية جوهرية – أبرزها الحرية والمساواة للجميع – فقد قدمت هذه العقيدة مصدر فكري يمكن أن يمارسه الجماعات المضطهدة حتى الآن. وقد استفاد أولئك الذين لم يحصلوا على حقوقهم في الموجة الأولى من الثورات الليبرالية مثل -النساء والعبيد والرجال الطبقة العاملة – من النزعة الشمولية لمبادئ الليبرالية من أجل المطالبة بحقوقهم. لذا فإن التطور التاريخي لليبرالية لم يكن فقط من خلال مصالح الأثرياء بل أيضا من خلال نضالات المهمشين.
ويمكننا أن نتتبع بعض التغيرات الرئيسية في الليبرالية بالنسبة للمصالح المتغيرة والنزاعات والظروف المادية. في بادئ الامر ,كما رأينا، كانت الليبرالية هي العقيدة السياسية للطبقة الثورية ضد الأنظمة القديمة. وبحلول القرن التاسع عشر، عكست الليبرالية الكلاسيكية مصالح البرجوازية الغالبة والواثقة بنفسها، فضائل الرأسمالية التي تدعو للحرية الاقتصادية. وفي أواخر القرن التاسع عشر، ظهر شكل جديد من أشكال الليبرالية الاجتماعية التي فضلت الرعاية الاجتماعية وتدخل الدولة والتي بزغت تحت تأثير الضغط الذي مارسته نقابات العمال. وبدعم من نظريات
جون مينارد كينز الاقتصادية، أصبحت الليبرالية الاجتماعية مهيمنة في أعقاب أزمة الكساد الكبير في الثلاثينيات، التي زلزلت جوهر الرأسمالية. استوعب هذا الصنف من الليبرالية توجهات من العرف الاشتراكي لتشكيل ما أصبح يعرف بالديمقراطية الاجتماعية. أما أواخر القرن العشرين فشهد إحياءا لليبرالية الاقتصادية – “الليبرالية الحديثة” او النيوليبرالية- وذلك بتفكك جموع الليبرالية الاجتماعية في فترة ما بعد الحرب مع التراجع الحاصل في “الازدهار الاقتصادي” في أوائل السبعينيات. ,،ثم عادت إلى الأفكار الكلاسيكية بشكل واضح وولدت صنف يدعو الى المساواة اكثر من الليبرالية الحديثة. وقد أعاد الباحثون مثل روولس إحياء تقاليد العرف الاجتماعي الخاص بـ جون لوك، وسعى إلى الجمع بين ذلك وبين تطلعات المساواة الاجتماعية لليبرالية.

ولكن ما هي الخاصية التي تتقاسمها هذه الاشكال المختلفة و المتباينة من الليبرالية التي تجعلها جميعا، بالتحديد، ليبرالية؟ هناك خيط مشترك يمتد عبر تاريخ الليبرالية – موجود في جميع فروع هذه العقيدة. حيث تستند الليبرالية إلى وجهة نظر معينة حول الطبيعة البشرية والمجتمع وهي (الافتراض بأن الانسان أولا والأفراد أهم) .وهذه القاعدة, تتماشى في الوقت نفسه مع الوجودية والأخلاقية. أي أنه يرى الفرد أكثر جوهرية وأكثر واقعية من المجتمع، وفي الوقت نفسه يعتبر الفرد أكثر قيمة أخلاقية من أي كيان جماعي.
وعلاوة على ذلك، فإن هذا الرأي حول الطبيعة البشرية يشير إلى أن الفرد هو في الأساس كامل ومكمل لذاته/ها. هذا الرأي يتناقض مع المعتقدات السابقة حول الطبيعة البشرية – في العصور القديمة والعصور الوسطى، لم يعتبر الانسان كفرد مكتفي ذاتيا. فبالنسبة لأرسطو، على سبيل المثال، ان الطبيعة البشرية لا يمكنها التجرد من (المجتمع السياسي). كما ان فكر الليبرالية يتناقض مع الفكر المحافظ التقليدي، التي تنظر الى التقاليد الاجتماعية كأسبقية على الفرد، وتناقضت مع الماركسية، التي تعتبر البشر مخلوقات اجتماعية أساسا.
إن أساس الانطلوجي لليبرالية هو، في رأيي، غير مقنع في المصطلحات الفلسفية والانثروبولجية ولكنه غير قابل للانكار كقوة بديهية عظيمة – غرست جذور عميقة في الوعي المعاصر. وربما، ان أهم ميزة تمتعت بها الليبرالية هي قدرتها على التكيف. إنها هذه الخاصية التي تفسر التنوع المحير في أنواع الليبرالية – كل منها له مطالبه المشروعة في فترة معينة.
رابط المقال المصدر: هنا

عن Iraqi Tanslation Project

شاهد أيضاً

استخدام دوستيوفسكي لفهم عدائية فلادمير بوتين

منشور بتاريخ: 11 يناير 2017 ترجمة: آمنة الصوفي تدقيق: فهد وردة تصميم: مكي السرحان كتبت نينا …