الرئيسية - بايولوجي - تطور - الخلقيّون ونظرية التطور: الضربة القاضية

الخلقيّون ونظرية التطور: الضربة القاضية

بقلم: بول براترمان (): وهو بروفيسور وباحث في جامعة غلاسكو
ترجمة: زين عزيز
تدقيق: عمر أكرم المهدي

 

 

عام 2001، كان هنالك دليل آخر على مكانة البشر بين القردة العليا، حيث وبعد اكتشاف إنسان ساحل تشاد (Sahelanthropus)، الذي عاش قبل سبعة ملايين سنة، وهو أول مخلوق من صنف القردة العليا (Ape) مشى قائمًا، ومع ذلك، فإن مايك بنس، وهو ممثل ونائب رئيس الولايات المتحدة الأميركية الآن، يبدي اعتراضه.

بالنسبة له يقول: ’’لقد تغيّرت أفكارنا عن أسلافنا، وأُثبت مرة أخرى أن التطور كان مجرد نظرية، وبالتالي يجب أن نكون أحرارًا في تدريس النظريات الأخرى جنبًا إلى جنب مع التطور في الفصول الدراسية لدينا.‘‘
كيف نرد على هكذا ادعاء؟

الجواب المعتاد هو أننا يجب أن نُعلّم الطلاب معنى كلمة “نظرية” كما هو مستخدم في العلم – أي الفرضية (أو الفكرة) التي بقيت صامدة طوال مراحل التجربة وأعطت نتائج كما كان متوقّعًا منها. والآن، ستتعرض حجة بنس بعد ذلك إلى ما يسميه الفلاسفة بالمراوغة (equivocation) – وهي حجة يبدو أنها منطقية فقط لأن الكلمة نفسها تُستخدم في موقفين مختلفين. 

جمجمة مصنوعة للساهلانثروبوس (Sahelanthropus)، وهو أول المخلوقات القائمة الشبيهة بالقرود التي عاشت قبل سبعة ملايين سنة. Didier Descouens, CC BY-SA
جمجمة مصنوعة للساهلانثروبوس (Sahelanthropus)، وهو أول المخلوقات القائمة الشبيهة بالقرود التي عاشت قبل سبعة ملايين سنة. Didier Descouens, CC BY-SA

للتذكير:

التطور، بنظر بنس، هو نظرية، والنظريات غير مؤكدة ومشكوك في صحتها، وبالتالي فإن التطور غير صحيح ومشكوك به!
التطور هو نظرية فقط بالمعنى العلمي للكلمة. وعلى حد قول الأكاديمية الوطنية للعلوم: ’’إن التعريف العلمي الرسمي للنظرية يختلف تمامًا عن المعنى اليومي للكلمة. وهو يشير إلى شرح شامل لبعض جوانب الطبيعة التي تدعمها مجموعة كبيرة من الأدلة‘‘. إن ربط هذه العلامة بالتطور هو مؤشّر على القوة وليس الضعف.

إذا ما كنت تأخذ هذا النهج، فإنك تكون قد فشلت في فهم فحوى كلام بنس (ذي الخطاب البليغ)، أو لماذا هو يميل أكثر للخلقية.

بنس هو سياسي بارز، ويعرف بالضبط كيف يُدير خطابه مع جمهوره. وهو أيضًا محامي، الأمر الذي يجعله يُعبر مجازًا مع الكلمات، مثل أي ساحر ماهر يحاول إخفاء خدعه عن الناس.

المشكلة هنا ليست مع كلمة “نظرية” على الإطلاق. المشكلة مع الطلاب الذين لا يفهمون معنى الكلمة علميًا.

تشارلز داروين في كتابه (أصل الأنواع)، الذي تم نشره في عام 1859، وغير من خلاله الطريقة التي ننظر بها إلى العالم. Shutterstock.
تشارلز داروين في كتابه (أصل الأنواع)، الذي تم نشره في عام 1859، وغير من خلاله الطريقة التي ننظر بها إلى العالم. Shutterstock.

العالم كله سمع عن النظرية الذرية، التي لم يشك أحد في صحتها على مدى أكثر من قرن. كذلك نظرية الجاذبية؟
وقد يكونون شاهدوا كيف يستخدم داروين تعبير “نظريتي”، على الرغم من أنه في الوقت آنذاك لم يكن شاملًا ولا مدعومًا بشكل جيد (كانت هنالك فجوات ضخمة في السجل الأحفوري)، للإشارة بطريقة عامة جدًّا إلى أفكاره المرتبطة حول تحول الأنواع، والسلف المشترك، وقوة الانتقاء الطبيعي.

إذا كان هنالك شخص يقول: “التطور مجرد نظرية”، لا تعطِ له محاضرة عن معنى كلمة “نظرية”. فإذا قمت بذلك، فأنت قد وقعت في فخ حول كيف نُعرّف الكلمة “نظرية” كما نفهمها بالحقيقة. سوف تقاتل وتناقش خصمك، وهذه هي تجارة اللاهوتيين، والدعاة والمحامين مثل مايك بنس.

الرد الصحيح هو القول بأن التطور هو نظرية – كما أن الجاذبية هي نظرية – ومن ثم شد الانتباه إلى الأدلة. وهذه الأدلة هائلة!

 

الذخيرة التطورية:

تبدأ مع العلاقات العائلية. بيّنَ كارل ليناوس كيف يمكن تصنيف الكائنات الحية إلى أنواع وأجناس وعائلات وما إلى ذلك، وأشار داروين إلى أن هذا هو بالضبط الهيكل الذي نتوقعه من شجرة العائلة. كل الكلاب هي (canines)، كلاب مُهجّنة، لذا فإن الكلاب لديها سلف مع الثعالب. جميع الكلاب هي (carnivora) من اللواحم “ضباع مثلًا”، لذلك فإن الكلاب تتقاسم سلفًا بعيدًا مع الدببة. كل (carnivora) هي من الثدييات، لذلك فإن الكلاب والأغنام هي وإن كانت بعيدة، لديها ذات الصلة، وهلمّ جرا.

ثم لاحظ الاكتشاف على مدى العقود القليلة الماضية من العلاقات العائلية على المستوى الجزيئي، وحقيقة أن شجرة العائلة الجزيئية التي تقوم على التشابه التشريحي.

مراقبة السجل الأحفوري. بشكل روتيني سترى الثغرات وهو ما لم يدركه داروين. منذ قرن مضى، لا يزال من المنطقي أن نشير إلى “الحلقة المفقودة” بين البشر والقردة العليا. الآن نحن نعرف من عدة أنواع أشباه البشر (hominin) مختلفة تعيش جنبًا إلى جنب مع بعضها البعض، والمشكلة تصبح واحدة من تمييز أجدادنا من أعمامنا. ونعم، هناك روابط مفقودة في السلسلة، ولكن من دون تطور لم يكن لدينا سلسلة على الإطلاق.

هنالك جغرافيا بايولوجية (biogeography): على سبيل المثال، لماذا الجرابيات موجودة فقط في أميركا الجنوبية وأستراليا، باستثناء عدد قليل من الأنواع التي قطعت طريقها عبر برزخ بنما، لم يتم العثور عليها في أي مكان آخر؟

بالإضافة إلى أننا يمكن أن نلاحظ في الواقع التطور، ودراستها في الميدان أو في المختبر. مثلًا، ظهور مقاومة مبيدات الآفات هو تطور في الواقع، التجربة الروسية لتربية الثعالب وترويضها، يعتبر انتقاءً اصطناعيًا، بقدر الانتقاء الطبيعي، هو تطور في الواقع.

وأخيرًا، والأكثر إقناعًا، يجب علينا أن ننظر إلى طريقة تشابك الخطوط معًا في السجل الأحفوري. يمكننا تطبيق الجغرافيا الحيوية على السجل الأحفوري، وربطه بما نعرفه عن تحركات القارات. وباستخدام أساليب البايولوجيا الجزيئية، يمكننا تحديد وتوقيت الطفرات التي أدّت إلى اختلاف الأنواع المختلفة عن سلفها المشترك، ومطابقة التوقيت مع السجل الأحفوري.

 

البشر يتشاركون في 99% من جيناتهم مع الشمبانزي، أقرب أقربائنا. Shutterstock
البشر يتشاركون في 99% من جيناتهم مع الشمبانزي، أقرب أقربائنا. Shutterstock

وهكذا فإن السجل الأحفوري والتشابه التشريحي العميق، وأدلة الحمض النووي تتوافق في إظهار أن الحيتان، على سبيل المثال، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالثدييات الممزوجة، متباعدةً عنها في فترة الإيوسين (هي فترة تمتد من 56 إلى 34 مليون سنة مضت، وهي الفترة الثانية من عصر الباليوجين للزمن الجيولوجي. وتـُعد بداية عصر الإيوسين هي ظهور أول الثدييات الحديثة. – المترجم). وهناك أمثلة كثيرة أخرى على هذا الاتساق.

ثم، وبعد ذلك، لاحظنا كيف أن النظرية العلمية هي علاقة متشابكة من الأفكار التي تفسّر الأمور عن العالم، وهذا التطور هو واحد من أنجح الأمثلة. وتحدي مايك بنس لهذا العالم حول ماذا يريدون أن يدرسوا جنبًا إلى جنب مع نظرية التطور – ولماذا.

رابط المقال بالأنجليزية:
هـنــا

عن Iraqi Tanslation Project