الرئيسية - ثقافة - الولايات المتحدة الأمريكية رائدة التعدد الثقافي في العالم

الولايات المتحدة الأمريكية رائدة التعدد الثقافي في العالم

من صحيفة بوستن غلوب
بقلم: جيف جاكوب
ترجمة: أحمد خضير عباس
تدقيق: نعمان البياتي
بدأت قصة التعددية الأمريكية مع هجرة الانفصاليين البيوريتانيين، الذين جاءوا إلى العالم الجديد “أمريكا” سعياً لإيجاد ملاذ آمن، حيث يمكنهم ممارسة ديانتهم بحريّة، ولم يُظهر البوريتانيون الكثير من التسامح إزاء القادمين الجدد، الذين يتبعون ديانات أخرى، مثل الكويكرز، والمعمدانيين، لكن هذه الأديان وضعت جذورها في أمريكا، واختفى التعصب بمرور الوقت.
وعلى الرغم من التنوع الديني الذي يُعد واحداً من السمات المميِّزة للحياة الأمريكية، فقد واجه مؤمنو الأقليات استياءً وارتياباً، ولكن بعد مدة من الزمن، نمت عقائد وكنائس تلك الأقليات، وحظت بمقبولية، وأصبحت جزءاً من الفسيفساء الدينية، والثقافية في الولايات المتحدة الأمريكية؛ لا نفكر غالباً في هذه المسألة، إلا إنها ظاهرة عجيبة، حيث تمكنت الولايات المتحدة من احتضان الديانات المتصارعة. إذ هاجر الكويكرز، والمعمدانييون في القرن الثامن عشر، والكاثوليك في التاسع عشر، والمورمون واليهود في القرن العشرين إلى أمريكا، ويبدو أن القرن الحالي للمسلمين الأمريكيين.
لم تختلف تجربة هجرة المسلمين عن تجارب معتنقي الديانات الأخرى، الذين يعيشون على أرض الولايات المتحدة الأمريكية في هذا القرن، وقد أصدر مركز أبحاث (بيو) مؤخراً نتائج مسح تفصيلي عن المسلمين في الولايات المتحدة؛ ويُعد ثالث بحث أجراه المركز منذ عام 2007، وجاء فيه أن العديد من الأميركيين، خاصة منذ 11 أيلول، قد اعتبروا المسلمين مصدر خوف أو شبهة، وهذه حقيقة لا يمكن نكرانها، وقد أظهر دونالد ترامب في حملته الانتخابية للرئاسة الأمريكية، العداء للمسلمين، معلناً أنّ المسلمين يكرهون الأميركيين، ودعا ترامب أيضاً إلى إيقاف هجرة المسلمين كلياً للولايات المتحدة.
إلا إن عمليات مسح مركز (بيو) أوضحت أن المسلمين الأميركيين يحذون حذوَ طوائف الأقليات الدينية القديمة، بتبني القيم الأمريكية، وبناء علاقات صداقة، ومحبة مع الخطوط الدينية الأخرى.
وفي استطلاع أُجري مؤخراً في أمريكا، وافق 92% من المسلمين على العبارة الوطنية “لي الشرف أن أكون أمريكيا”؛ وعندما سُئل المسلمون عن المدى الذي يتشابهون فيه مع الأمريكيين، فإنّ 60% منهم أجابوا أنهم يتوافقون مع الأمريكيين في “الكثير” من الأشياء، بينما 28٪ منهم أجابوا بأنهم يتوافقون معهم في “بعض” الأشياء؛ 36% من الأمريكيين فحسب ذكروا أن جُل أصدقائهم مسلمون، وهذا يعد انخفاضاً كبيراً عن نسبة الـ 49% الذين قالوا ذلك في الاستطلاع الذي أجري في عام2011، وهو أقل بكثير من 95% من المسلمين الذين قالوا ذلك في دول أخرى.
وعلى مدى عقود من الزمن، كان التعصب، والإرهاب الإسلاميان من بين المشكلات المستعصية في العالم، ويقدر (دانيال بايبس) إنّ ما يناهز 15% من المسلمين في جميع أنحاء العالم يدعمون الإسلام المُسَلح؛ وليس ثمة حلٌ سهل لمشكلة التطرف الإسلامي المسلح، وأضاف دانيال قائلاً “كان من بين ضحايا هذا التطرف الكثير من الأميركيين من سكان ولاية بوسطن، وولاية فورت هود، وسان برناردينو، وحتى ولاية أورلاندو”.
ولكن بيانات مركز أبحاث (بيو)، تظهر أن المجتمع الإسلامي الأمريكي يعد أكثر المجتمعات الإسلامية تسامحاً دينياً، وتحرراً اجتماعياً في العالم، وإنّ المسلمين في أمريكا يقفون في جميع الظروف ضد فرض عقوبات عنف جماعية على المدنيين، أكثر من أفراد الشعب الأمريكي الآخرين.
وجاء في استطلاع آخر أجراه مركز أبحاث (بيو)، بأنّ ما يقارب 59% من الأمريكيين يقولون “لا يمكن تبرير قتل المدنيين لقضية سياسية، أو اجتماعية، أو دينية أبداً”، وأن المعارضة بين المسلمين الأمريكيين التي كانت تشكل 17%، أي ما يعادل ثلاثة أرباع المستطلعين المسلمين، يقفون بالضد من عمليات القتل هذه؛ يقترح (ديفيد بير)، الذي يعمل في معهد (كاتو)، أنّ السبب الرئيس الذي يدفع المسلمين الأمريكيين لمعارضة الإرهاب القائم على الدين، هو أنّ المسلمين في جميع أنحاء العالم هم أكثر ضحايا الإرهاب، ولربما، ولهذه الأسباب، يعد المسلمون الأمريكيون أكثر الناس رفضاً للتفسيرات الأصولية للإسلام.
إذ يقول 43% من المسلمين الأميركيين أنهم يؤدون الشعائر الدينية مرة واحدة في الأسبوع، ويعتقد 65٪ أنّ الدين بالغ الأهمية بالنسبة لهم، أما بالنسبة للمسيحيين الأميركيين، فإن 47% منهم يقولون إنهم يذهبون إلى الكنيسة أسبوعياً، وتعد هذه النسبة مقاربة لنسبة المسلمين الأميركيين، و68% منهم يعتبرون ديانتهم المسيحية مهمة جداً في حياتهم أيضاً؛ من وجهة نظر الأغلبية الساحقة من المسلمين، الذين يعيشون في أمريكا، فإنهم يعتبرون الأمر يتعلق بالعقيدة، لذلك يتبعون الإسلام، والقرآن الكريم؛ وقد أظهرت بيانات مركز أبحاث (بيو)، أنّ ثلثي المسلمين يعترفون جِهاراً، بوجود مجال للتفسيرات المتعددة لدينهم، وإن أكثر من نصف المسلمين الأمريكيين يوافقون على “وجوب إعادة تفسير الفهم التقليدي للإسلام كي يعكس القضايا المعاصرة”؛ وكشفت استطلاعات الرأي بأن الأغلبية الساحقة من المسلمين في جميع أنحاء العالم، تدعم التفسير الحرفي للقرآن الكريم، لكن في أمريكا، عدد المؤمنين بذات الأمر يصل للنصف.
كما إن غالبية المسلمين في الولايات المتحدة، يرفضون الرأي القائل بأن الشريعة يجب أن تكون مصدراً للتشريعات الوطنية، ناهيك عن أن تكون المصدر الوحيد لذلك، أما في فرنسا، وبريطانيا، يُصر أغلب المسلمين على إن الشريعة يجب أن تكون القانون الأساس؛ وجواباً عن سؤال، هل ثمة صراع طبيعي بين تعاليم الاسلام والديمقراطية؟ فإن 65٪ من المسلمين الأميركيين كانت إجاباتهم “كلا”.
وهذا تأكيد رائع لقوة التعدد الثقافي، والبوتقة التي تذوب فيها الثقافات، والفرق الواضح بين ما تعيشه بقيّة بلدان أوربا من التمييز العنصريّ على أساس الدم والأرض، وما تتمتع به أمريكا من الإيمان بالمواطنة المبنية على المساواة في الحقوق والواجبات؛ وقد أعلن (ريتشارد هنري لي)، من ولاية فرجينيا في مناظرة تتعلق بالاستقلال في 1776، أن الحرية في أمريكا يجب أن تكون للمسلمين، والهندوس مساوية لحرية الديانة المسيحية، ولا تزال أمريكا تحتضن الأديان الاخرى بقوة، ولا يزال المهاجرون من كل الأديان يشدون رحالهم إلى أمريكا، ليصبحوا مواطنين أمريكيين.

رابط المقالة المصدر: هنا

عن Iraqi Tanslation Project

شاهد أيضاً

كيف يفقد الزعماء قدراتهم العقلية؟

ترجمة: امنة الصوفي تدقيق: مصطفى شهباز تصميم: مكي السرحان إذا كانت السلطة وصفة دوائية فهي …