الرئيسية / سياسة / اقتربت هزيمة داعش في العراق، إلا أن البلد يواجه تحديات أصعب

اقتربت هزيمة داعش في العراق، إلا أن البلد يواجه تحديات أصعب

ليز سلاي / اسو امين شوان
واشنطن بوست
ترجمة: حسين الحافظ
تدقيق: نعمان البياتي
انهيار تنظيم الدولة الإسلامية في أهم أماكن سيطرته في العراق، مدينة الموصل، جلب لحظة من الأمل والتفاؤل النادر، للبلد الغارق في الحرب منذ أربعة عقود.
النزاعات القديمة بين السنة والشيعة والأكراد على الأرض، والموارد، والطاقة، تظهر للسطح مرة أخرى، كواجهة للحروب والتنافس للسيطرة على المناطق المحررة، وتزاحم المصالح السياسية في مناطق سيطرة التنظيم السابقة.
وتعقَّدت هذه المنافسات الآن أمام المهمة الضخمة لإعادة إعمار المدن والقرى التي تدمرت بالنزاع، وإعادة الملايين من المهجرين الى منازلهم، ومصالحة المجتمعات التي رحبت بوحشية الدولة الإسلامية، وفضّلتها على إهمال وانتهاكات حكومتهم.
الفشل في إدارة الوضع قبل النزاع، ينبئ بخطر إعادة دورة العنف والصراع الذي غذى التمرد الأصلي في العراق منذ عام 2003، وتطوره إلى إنتاج تنظيم الدولة الاسلامية بعد 2011، كما يقول مراقبون عراقيون وغير عراقيين.
ولكنه تحدي كبير، ويبدو أنه غير قابل للحل، فمجتمعات الموصل المصدومة وجدت نفسها وحيدة؛ فالجزء الشرقي الذي لم يصب بدمار كبير تقريباً، عادت إليه الحياة مرة أخرى؛ فالحركة في الشوارع قد عادت، والموسيقى تُسمع من الأسواق والمتاجر المملوءة بالمتبضعين، والسلع المتنوعة، مثل الهواتف المحمولة ومكيفات الهواء وصحون التقاط البث الفضائي، والتي كانت ممنوعة أو من الصعب مشاهدتها في وقت سيطرة التنظيم.
في الضفة الغربية المقابلة، والتي تحملت العبء الأكبر من القتال، أحياء بكاملها دُمرت بشكل يصعب إعادة بناءها؛ ففي المدينة القديمة وحدها، 230000 شخص تُرِكوا بدون سكن، “وسوف لن يذهبوا لمنازلهم قريباً، فالمدينة بأكملها بحاجة الى إعادة إعمار” تضيف ليز كراند، نائب المبعوث الخاص لبعثة الامم المتحدة في العراق.
وبحسب هوشيار زيباري وزير الخارجية السابق في العراق، والمتحدر من مدينة الموصل، والذي يعمل مستشاراً في حكومة إقليم كردستان حالياً، فإنه لا توجد بوادر قريبة لجهود إعادة الإعمار بالحجم المطلوب.
“كل الكتابات على الجدران تنبأ بأنه سوف تكون هناك داعش جديدة” يضيف زيباري مستخدماً الاسم الرمزي لتنظيم الدولة الإسلامية، “حجم الإحباط وقلة الأمل وضعف خطوات الحكومة في التعامل مع الأمر، ماذا يمكن ان نتوقع؟”
وفي نفس الوقت، بدأت تظهر مشاكل مشتِتة للجهد، مع عودة العراق إلى التركيز مرة أخرى على الخلافات القديمة التي وُضِعَت جانباً بسبب الحرب مع تنظيم الدولة الاسلامية.
المنطقة الكردية تضغط قدماُ باتجاه استفتاء الانفصال– مع الاعتراض العنيف من إيران وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية -والذي يُضمر بوادر إشعال حرب جديدة؛ والتصويت يعيد طرح السؤال القديم: أين هي حدود منطقة كردستان، والتوتر يزداد في المناطق التي تلتقي فيها قوات البيشمركة الكردية، مع الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران وجهاً لوجه بعد أن اتفقوا في قتال تنظيم الدولة الاسلامية.
الخلافات تعصف بالحكومة ذات الغالبية الشيعية، والتي حشدت المقاتلين في القوات الأمنية والميليشيات – التي تسمى الحشد الشعبي – لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية؛ والتقاطعات العنيفة لتحديد الهوية المستقبلية للبلد، وهل يجب أن يذهب البلد أكثر باتجاه إيران، أو يُبقى على تحالفه مع الولايات المتحدة الأمريكية، وأخيراً مدى البعد عن الذهاب باتجاه المصالحة السنية الشيعية.
وهذه الأمور سوف تظهر في الواجهة في الانتخابات البرلمانية القادمة في الربيع القادم، والتي سوف تركز على هذا الصراع، حيث تبحث الأحزاب التي تقف خلف الميليشيات المدعومة إيرانياً، والتي لعبت دوراً مهماً في القتال لتعظيم نصرها، والحصول على حصة أكبر في البرلمان القادم.
السنة في البلد أصبحوا مبعثرين، محجوزين في مخيمات النزوح، أو عادوا إلى منازل مدمرة في مدن وقرى أمست أطلالاً؛ حوالي مليوني شخص عادوا إلى منازلهم من أصل خمسة ملايين نزحوا من مناطقهم، بسبب القتال في الأعوام الثلاثة الأخيرة، ولكن 3.2 مليون شخص ما زالوا لاجئين في مخيمات بائسة وفقاً للأمم المتحدة؛ الكثير منهم لم تتبقَ لهم منازل للعودة إليها، والبعض الآخر يخافون من انتقام جيرانهم أو من القوات الأمنية، وفقاً لكراند.
في الموصل هناك ارتياح من ذهاب المسلحين ولكن لا زالت المخاوف عند الناس موجودة مما يحمله المستقبل؛ فميليشيات متعددة تجوب الشوارع، تتعدد ولاءاتها لمختلف الشخصيات السياسية، ووزراء حكوميين، وزعماء عشائريين، وأعضاء برلمان؛ وانتشار القوات الأمنية ضعيف، والبعض منها تم سحبها، وإقحامها في معارك أخرى للقضاء بشكل نهائي على التنظيم.
البعض من المقاتلين في الموصل من السنة المحليين، تم تدريبهم كجزء من مبادرة الولايات المتحدة لتضمين الإجراءات الأمنية المستقبلية في المدن المحررة، بيد السكان المحليين؛ والبعض الآخر أعضاء في الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، والتي تم منعها من المشاركة في معركة التحرير، مخافة أن يثير اشتراكهم توترات طائفية، لكنهم دخلوا المدينة، وقاموا بفتح مكاتب لهم للبحث عن حلفاء محليين.
الميليشيات ضرورية بسبب وجود حاجة إلى أعداد كافية من رجال الشرطة، والقوات الأمنية للحفاظ على أمن المدينة، يقول محمد السياب رجل الأعمال المنحدر من مدينة البصرة ذات الغالبية الشيعية، والذي يتزعم مجموعة صغيرة من المقاتلين السنة، ويوالون وزير التعليم؛ “لا نستطيع القول إنها آمنة مئة بالمئة، إنها آمنة بنسبة سبعين بالمئة، لا تزال هناك بعض الخلايا النائمة لتنظيم داعش، ونحن نعمل للقضاء عليهم، لكننا نواجه عدواً ذكياً جداً”.
قليلون يعتقدون أن الدولة الإسلامية قد اختفت، إذ يبدو أن الكل لديه قصة عن مسلحين يعرفهم، لا يزالون أحياء، وظهروا في أحد أحياء المدينة، وربما بعد أن تم اعتقالهم ومن ثم إطلاق سراحهم؛ الفساد في الأجهزة الأمنية والقضاء ساهم في إيجاد المقاتلين لطريق خروج من السجن.
عمران محمد بشير، عمره 32 سنة، ويدير محل غسيل ملابس في شرق الموصل، عدّ على أصابعه مقاتلين الدولة الإسلامية السابقين الذين يعرفهم في منطقته، ومن بينهم أحد أقاربه الذي لم يتم اعتقاله، بالرغم من أن والده أبلغ القوات الأمنية عنه، حيث كان الرجل يقود المقاتلين في الحي الذي يسكنه عمران.
“لا أعتقد أنه سوف يتم دعم أي تمرد قادم، فالمواطنون في الموصل تعلموا الدرس” يقول عمران “ولكن القادم لا يمكن التنبؤ به، خاصة إذا استمر الوضع مثل ما يجري الآن، مع عدم وجود إعادة إعمار، والفساد داخل الحكومة”.
لكن العراق ليس لديه ميزانية لإعادة الإعمار، كما يقول متحدث حكومي؛ فأعوام من هبوط أسعار النفط، والطلب المالي للحرب ضد التنظيم تَرَكت البلد مفلساً، مما أجبرهم في العام الحالي على الاقتراض من صندوق النقد الدولي.
غياب خطة واضحة لإعادة الإعمار، قد يغذي الشعور لدى السنة بأن الحكومة الشيعية تتجاهلهم، يضيف حسن العلاف، نائب محافظ نينوى التي عاصمتها مدينة الموصل.
“يبدو أن بعض السياسيين غير متحمسين لإعادة الحياة إلى الموصل” يضيف حسن “سوف نبقى نعاني من الصراع الطائفي، ومن الواضح أنه ينعكس على إعادة الإعمار”
سوف تُتُرك جهود جلب الاموال لإعادة إعمار ما تم تدميره للمجتمع الدولي، والكثير من هذا التدمير تسبب به القصف الجوي القاسي، والقصف المدفعي من القوات المتحالفة مع الولايات المتحدة لمواجهة تنظيم الدولة الاسلامية، وفقاً لكراند الممثل الاممي؛ والأمم المتحدة تخطط لعقد مؤتمر في الكويت هذا الشهر، لجمع تبرعات بقيمة 100 مليار دولار أمريكي من المانحين لإعادة إعمار العراق.
ولكن البلدان التي شاركت بحماس في الحرب، وتسببت في الأضرار، لديها رغبة أقل لدفع الأموال لإعمار الدمار الذي تسببت به، يضيف موظفو إغاثة أمميين؛ فالولايات المتحدة صرفت 14.3 مليار دولار لقتال الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وفقاً لمتحدث من البنتاغون، في حين أنها أنفقت 1.4 مليار، أي عشرة بالمئة فقط، لإعادة الإعمار.
وزارة الخارجية صرحت أن العراق بحاجة الى 300 مليون دولار من المانحين لأعمال أساسية، مثل إعادة المنظومة الكهربائية، والمياه في عام 2018، ولكن الولايات المتحدة الأمريكية لم تخطط للمشاركة في جهود إعادة الإعمار؛ فالولايات المتحدة الأمريكية قادت تحالفاً عسكرياً “ليس لإعادة البناء أو الإعمار” وفق تصريح ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأمريكي في وقت سابق من هذا العام.
تبَقى أمل بسيط للعراق، متمثلاً في التقارب بين الحكومة العراقية والسعودية، واللتان تخاصمتا بشكل حاد منذ عام 2003، عند اجتياح الولايات المتحدة الأمريكية للبلد، وصعود الغالبية الشيعية للحكم في بغداد؛ فرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي زار السعودية، ورجل الدين الشيعي مقتدى الصدر زارها أيضاً، كاسراً تحالفه مع حلفاء إيران الشيعة في العراق، إضافة الى دعواته إلى المصالحة مع السنة.
المسؤولون في الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة، يأملون في أن العلاقات السليمة مع دول الخليج العربي، سوف توفر أغلب أموال المانحين، ولكن دول الخليج منشغلة في مشاكلها الخاصة، وخلافاتها، وعجز ميزانياتها، وعدم رغبتها في منح المليارات المطلوبة.

رابط المقال بالانكليزية: هنا

عن

شاهد أيضاً

الجواز الأمريكي لا فائدة منه

يمكنني التنقل حيث شئت بجواز سفري الألماني. ولكن عدد الدول التي تسمح للأمريكيين بالدخول تكاد …

حصرياً: من داخل مخيمات تدريب تابعة لحزب الله لنشر الأخبار الزائفة  

  بقلم: ويل كريسب وسداد الصالحي  بتاريخ: ٢/آب / ٢٠٢٠ ترجمة: رحاب الهلالي تدقيق: ريام …