الجفاف في بلاد النهرين

الوقت المقدر للقراءة :0 دقيقة

ترجمة: حسين الحافظ
تصميم الصورة: مكي السرحان

في بلاد ما بين النهرين اصبح الوصول الى مصادر المياه النظيفة الكافية ضحية اخرى من ضحايا الصراع الدائر هناك. منذ عام ٢٠٠٣ قامت الحكومة العراقية و شركائها الدوليين بجهود للحفاظ و توسيع و تطوير البنية التحية للمياه الصالحة للشرب الا انه التقديم بطئ في هذا المجال مع ملاحظة عدم الكفاءة مع ظهور علامات ازدياد أعداد حالات الأمراض المنقولة بالمياه و زيادة الاعتماد على مصادر المياه الغير رسمية او الملوثة في المدن والأرياف.
و هذه الملاحظات التي يكون تأثيرها على المدى الطويل و الذي يمتد لما بعد الأوضاع الإنسانية الطارئة الناتجة عن سيطرة داعش على مدن شمال و وسط العراق و التي تزيد خطورتها عن موضوع الاسبوع السابق الزراعة. و قدرة بغداد على عكس هذه التأثيرات تجابه عراقيل بسبب الصراعات السياسية و الفساد المالي و متطلبات محاربة التمرد و الذي امتد لعدة سنوات. حتى الان تعتبر ازمة المياه على المستوى القصير بالازمة الشديدة . وفقا لتقرير الامم المتحدة في عام ٢٠١٠ فان نهري دجلة و الفرات الذي يأخذ العراقيين معظم حاجتهم من المياه من هذين النهرين و الذي اشتق اسم البلد منهما سوف يتوقفان عن الجريان بحلول عام ٢٠٤٠.
المسار الحالي بانخفاض سوء ادارة الموارد المائية و الذي يسلط الضوء على المفسدين المهمين للتطور في النظام السياسي للبلد. اصبح من الملح ان يتم فهم الموضوع في سياق ما بعد الحرب على داعش اليوم. فبينما بغداد تستعد الان لاعادة بناء البنى التحتية المدمرة في مدن موزعة على خارطة العراق تم تحريرها من داعش. و بينما الانظار مركزة على حجم الدمار الناتج من حرب الموصل و سهل نينوى الا ان شحة المياه سوف تكون عائق كبير للاستقرار و النمو و اعادة البناء على امتداد البلد و الذي تم اهماله من قبل المحللين المحليين. و القتال من اجل القضاء على داعش في مدن محافظات نينوى و كركوك و صلاح الدين والانبار عمق هذا التطور و التحدي.
على الحكومة العراقية و صانعي السياسات ان يوجهوا معظم اهتمامهم على الامن و الوضع الإنساني الطارئ الناتج عن مرحلة مع بعد داعش و اعطائه الاولوية الا انهم يجب ان لا يهملوا السياسات طويلة الأمد و الاحتياجات و التطورات الرئيسية.
للخروج من الوضع الراهن على الحكومة العراقية ان تقوم بمجموعة إجراءات قصيرة المدى لتطوير البنى التحتية و إعادة إعمارها و تحديثها و البحث عن الاستثمارات الأجنبية والمحلية للمشاريع الكبيرة وصيانة هذه البنى التحتية. و المشاكل التي تواجه البلد في البنى التحتية المائية يؤثر على قطاعات اخرى منها قطاع الكهرباء و الذي يعتبر أحد الأسباب المؤثرة على الأمن و الاستقرار و الذي ادى عدم كفاءة الحكومة بتجهيز الطاقة الى توفير فرصة للفساد و تحفيز جهات اخرى غير رسمية لملئ هذا الفراغ
كارثة المياه البطيئة و الصامتة
أزمة الجفاف الممتدة منذ عقود بسبب الصراع مع دول الجوار على مصادر المياه و تطوير البنى التحتية المائية وبناء السدود في تركيا و ايران و سوريا جعلت العراق عاجز عن توفير مصادر مياه الشرب والصرف الصحي الكافية لسكانه. في تقرير وزارة الموارد المائية العراقية في عام ٢٠٠٧ يشير الا ان ٣٢ بالمئة من سكان العراق لهم القدرة للوصول الى مصدر مياه شرب نظيفة مستقر بينما ١٩ بالمئة من سكان يمكنهم الحصول على خدمات الصرف الصحي مناسبة و المشكلة أعظم في الارياف. و بالرغم من تحسن هذا الوضع منذ عام ٢٠١٠ إلا أنه ما زال الكثير من الناس يعتمدون على آبار المياه او شاحنات نقل المياه او حنفيات المياه العمومية كمصدر للمياه و بينما يزداد الطلب على المياه مما يزيد الضغط على قدرة الحكومة. و مستوى المياه في الأنهار انخفض بشدة عن مستواه السابق منذ بضع سنوات فيقدر مستوى المياه الان بثلث قدرة الانهر على استيعاب المياه السابقة. و بينما تقل مخزون المياه في الانهر مما اضطر بعض المجتمعات الى استهلاك المياه الجوفية مما يجعل مخزون البلاد من المياه الجوفية على حافة الاختفاء؛ حسب بعض مشاريع الأمم المتحدة فان هذه الآبار سوف تجف قبل عام ٢٠٣٠ م . تقدر الحكومة العراقية و الأمم المتحدة بان في عام ٢٠٢٥ سيكون عجز المياه ٣٣مليون متر مكعب مما يجعل الحكومة غير قادرة عن توفير المياه الكافية للسكان.
العراق يعتمد بنسة ٩٨ بالمئة من حاجته للمياه على نهري دجلة و الفرات وتشمل مياه الشرب والسقي و الصرف الصحي، و ان انخفاض مستوى هذه الأنهار في هذه البيئة النهرية سوف يترك موجات من التأثيرات على بقية القطاعات الخدمية ، مثلا ان انخفاض مستويات نهر الفرات في عام ٢٠١٠ ادى الى انخفاض الكهرباء المتولدة من المصادر المائية الى ٥٠ بالمئة في مدينة الناصرية رابع مدن البلاد من حيث عدد السكان مما زاد من متطلبات هذه المدينة من الحكومة المركزية للدعم و المساعدة. و في القرى القريبة ادى انخفاض مستوى المياه الى اجبار السكان للهجرة بسبب نفوق مواشيهم و تلف مزروعاتهم مما أدى لتدمير الاقتصادات المحلية بالمنطقة. و ايضا في نفس العام كان الناتج المحلي للزراعة يمثل ٤٠ بالمئة من احتياج البلد فقط مع بقاء نصف الأراضي الصالحة للزراعة غير مزروعة بسبب المحتوى الملحي العالي . و في عام ٢٠١٢ انخفض مستوى الاهوار المرتبطة بنهر الفرات الى اقل من ٣٠ بالمئة مما كان عليه عام ١٩٨٠م.
و حتى في حالة توفر مياه الشرب و الزراعة تكون نوعيتها غير جيدة ، حيث تنتشر الأمراض المنقولة بالماء مثل التيفوئيد و الإسهال و التهاب الكبد الفايروسي نوع بي و الكوليرا . حتى في المدن الرئيسية مثل بغداد و البصرة و عند قياس نسبة امتصاص الأوكسجين في الماء و الذي يحدد نسبة الكائنات العضوية الموجودة في الماء حيث كانت القراءة ٣٦ ملي غرام باللتر و هي اكثر من ثلاثة أضعاف النسبة الطبيعية المحددة من منظمة الصحة العالمية وزارة الصحة العراقية والبالغة ١٠ مليغرام للتر . و هذه الزيارة في تلوث مياه الشرب بعد عام ٢٠٠٥ ادت الى زيادة كبيرة بأعداد المصابين بالأمراض المنقولة بالمياه المسجلة بالمستشفيات، على سبيل المثال عدد الاصابات بالإسهال (المرض الذي يمثل مؤشر لمدى تلوث المياه) المسجلة في ٣٥٠ منشأة صحية كانت ١٠٥٨٢١٧ إصابة. و في بغداد مدينة الصدر يعتبر مصدر المياه الوحيد الصالح للشرب هو المياه المعبأة و التي بسبب سعرها من الصعب وصولها الى العوائل الفقيرة .
مما زاد وضع تلوث المياه سوءا هو زيادة المحتوى الملحي لمجاري المياه في العراق حيث ازداد المحتوى الملحي لنهر الفرات ١٩٨٠ حيث كان ٤٥٧ جزء بالمليون الى ١٢٠٠ جزء بالمليون في عام ٢٠٠٩ مما جعله غير صالح للشرب و لا للزراعة و بسبب انخفاض سرعة جريان الماء في النهر مما سبب صعود لسان ملحي من الخليج . و هذا السياق سوف يزداد مع تباطؤ جريان النهر مما يزيد طول اللسان الملحي الصاعد من الخليج و الذي قد يمتد الى ١٥٠ كيلو متر داخل الأراضي مما يسبب أضرار بالزراعة والرعي في محافظات البصرة والمثنى وواسط لذلك يجب على سكان هذه المحافظات ان يؤمنوا أمنهم الغذائي وأن يوجدوا مصادر دخل بديل عن الزراعة في الأعوام القادمة .
في عام ٢٠١٤ بينت إحصائية ان نسبة المهاجرين من مناطق سكناهم بسبب الجفاف من الهجرة الداخلية ٩٧ بالمئة في المثنى و ثمانون بالمئة في القادسية و ذي قار و ٦٠ بالمئة في صلاح الدين و ٢٠ بالمئة في محافظات كركوك وديالى ونينوى و التي سقطت لاحقا في هذه العام بيد داعش . حيث العديد من هؤلاء الافراد هجروا حقولهم الى المدن الرئيسية للحصول على فرصة عمل و خدمات ماء و كهرباء و صرف صحي.
السدود في سياق الصراع
الفساد المستشري وعدم كفاءة الأجهزة الحكومية ايضا يساهم بتقليص المصادر المائية إلا ان التأثير الرئيسي على شحة مصادر المياه هو اجراءات دول الجوار . قلة المياه المتدفقة في الانهار الرئيسية في العراق قلت بشكل كبير نتيجة المشاريع الكهرومائية الكبيرة في تركيا، حيث منابع دجلة و الفرات . و هذه السدود من ضمن ستراتيجية انقرة لزيادة قابليتها من انتاج الكهرباء من المصادر الكهرومائية و التي ستكون عواقبها الجفاف بالمنطقة و أهمها مشروع جنوب شرق الأناضول و الذي يتضمن بناء ٢٢سد و ١٩ محطة كهرومائية في حوض نهري دجلة و الفرات و الذي اكتمل ٧٣ بالمئة منها .
و حسب الحكومة العراقية فان مشروع شرق الأناضول قد سبب انخفاض في جريان النهر الى العراق بنسبة ٨٠ بالمئة لغاية الان و مشاريع بنى تحتية تركية أخرى سوف تؤثر مثل سد اتاتورك و الذي سيخفض الجريان الى الثلث و مشروع سد ليزو و سد سيزر اللذان سيخفضان الجريان الحالي إلى النصف ايضا . و مشاريع إيرانية مماثلة أثارت غضب المسؤولين في العراق و كردستان أهمها السد الجديد الذي سيبنى في منطقة سردشت و الذي سيحجز مياه الزاب الصغير اهم روافد نهر دجلة.
هذه المخاوف ممكن ان تختفي بوجود اتفاقية بين انقرة و بغداد تحدد الحصة المائية لكل بلد الا ان الجو السياسي الراهن لا ينبأ بحدوث مثل هذه الاتفاقية . فقد اعلن البرلمان العراقي في عام ٢٠٠٩ بانه يريد من تركيا ان تعطي الحصة الاكبر الى العراق و كذلك بالنسبة لإيران و سوريا مبديا عدم موافقته على اي اتفاقية لا تحتوي على هذا البند الذي يضمن للعراق حصة عادلة من الموارد المائية. و منذ ذلك الحين ابدت انقرة استعدادها لاشراك العراق في هذا الشأن. و قد تجاهل المسؤولون الاتراك لاكثر من مرة اتفاقية عام ١٩٤٦ التي تجبر دول المنبع تركيا أن تُعلم دول المصب سوريا والعراق بأي مشاريع قد تسبب بتغيير الحصص المائية. و كان ردهم على الاحتجاجات العراقية بما معناه ان الطرف الأقوى غير مستعد للتفاوض الآن.
و في نهاية عام ٢٠١٢ أصبح مستوى المياه في أهوار أسفل الفرات اقل من ٢٠ بالمئة من مستواها عام ١٩٨٠ م.
السياسة التركي تشير الى ان اهمية هذه السدود ليس فقط لها بل للعراق ايضا . و بعد سيطرة داعش على العديد من مدن البلاد في عام ٢٠١٤ قامت بالسيطرة على العديد من السدود و محاصرة سدود اخرى مثل سد الموصل و بعقوبة و حديثة و الفلوجة لغرض ابراز بأنها دولة فاعلة و ايضا لاستخدام المصادر الكهرومائية و تأمين الطاقة للمدن التي سيطر عليها و ايضا استخدامها كسلاح بقطع جريان النهر او فتح البوابات لغرض إغراق المدن الرئيسية مثل بغداد و الانبار و صلاح الدين . في بلد يعاني اصلا من شحة موارد المياه مما افقده الكثير من الاراضي الصالحة للزراعة بسبب الجفاف ورخص الصادرات الغذائية و زاد من ذلك الخطر عل المناطق المشاطئة للنهر على طول البلاد بسيطرة داعش على السدود.
على سبيل المثال قام التنظيم داعش في عام ٢٠١٤ بإغراق مساحات زراعية شاسعة على مشارف العاصمة بغداد بعد سيطرته على سد الفلوجة مما سبب هجرة حوالي ٤٠٠٠٠ شخص . و سبب اجراءه هذا قطع الماء عن مدن البلاد المقدسة النجف و كربلاء و سببت بتحويل ٥٠٠ كيلومتر مربع من الأراضي الخصبة الى اراضي غير قابلة للزراعة. و ايضا في شهر آب من نفس العام أثار التنظيم الرعب بعد سيطرته على السد الغير مستقر المشهور سد الموصل مما اثار الهلع من تسببه بفيضانات على طول حوض نهر دجلة من الموصل الى بغداد مما يسبب بقتل الملايين. و ايضا في محافظة ديالى هدد تنظيم داعش بعد سيطرته على البنى التحتية لتزويد مركز المحافظة مدينة بعقوبة بالماء المقامة على سد والمهددة اصلا من مشروع إنشاء سد في ايران و سيطرت عليها القوات الامنية و ميليشيات محلية بغرض منع التمرد من السيطرة عليها مرة اخرى.
مستقبل اكثر جفاف.
الحكومة العراقية فشلت بتحديد الحلول الداخلية و الخارجية لمشكلة انعدام الأمن المائي.انعدام الأمن والعنف الدامي المستمر منذ سنين ترك الحكومة العراقية مع مؤشرات ايجابية قليلة مقارنة مع المناطق المجاورة و موارد قليلة لمعالجة الخلل في مصادر المياه لمرحلة ما بعد داعش. التشعب الوزاري و المناطقي يمنع تكوين رؤية قريبة الأمد لحل مشكلة مصادر المياه. طغيان الملفات المهمة مثل إعادة البناء و تقديم المساعدات العاجلة للمناطق المحررة من داعش ،مما سبب فشل السياسين العراقيين من رسم رؤيا ابعد للمشاكل التي تواجه البلاد خلال العقد القادم . وزارة الموارد المائية اليوم تصارع من توزيع و موازنة حصة الماء للشرب و الزراعة و الصناعة و إنتاج الطاقة بينما جزء كبير من البنية التحتية المحطمة من احتلال داعش والعمليات الحربية .
و بدون الجهود المتواصلة من الحكومة العراقية وشركائها الدوليين ، فان شحة المياه والأمن الغذائي سوف يتأثر بشكل كبير بعد عام ٢٠٣٠ مما يزيد الضغط والانقسام بين المجتمعات والمناطق و مع الجوار. المنظمة الامريكية للتطوير الدولي يو اس ايد و الأمم المتحدة نفذت مشاريع ترميم محطات المياه في الرمادي وتكريت إلا ان الموارد المالية غير كافية لتوسيع هذه المشاريع في بقية المناطق مثل الموصل أو مدن محافظة الانبار الاخرى. و بالرغم من خطورة تدهور او عدم وجود أنظمة نقل المياه داخل المدن الا انه لا يوجد من يصغي لذلك.
و تسلط مشكلة المياه في العراق الضوء على الأزمة الأساسية التي تواجه راسمي السياسات العراقيين لمواجهة مرحلة ما بعد داعش. فبينما مرحلة ما بعد الحرب تتطلب متطلبات فورية عاجلة ، فان العراق سوف يصارع من أجل الاستقرار بدون التغلب على العقبات الاقتصادية والصراع الداخلي و شحة الموارد. و مشكلة شحة المياه سوف تكون احدى تلك التحديات ، مما يزيد من مخاوف اختفاء الهلال الخصيب الذي دام في المنطقة لآلاف السنين.

المصدر: هنا

Iraqi Tanslation Project