قراءة في كتاب: أنقذوا علومنا

قراءة في كتاب: أنقذوا علومنا

ترجمة: رعد طالب

تصميم الصورة: مكي السرحان

انيسا راميريز

ترجمة: رعد طالب

ما يُعد شيئاً حاسماً، ليست التقنية بحد ذاتها، لكنه الخيال المُثار في جميع تطبيقاتها، هذه هي النصيحة الخالدة من العلماء للشباب- وهي قناعة يتقاسمها بعضٌ من اعظم العقول العلمية في التاريخ- ومع ذلك ما يزال “الحفظ عن ظهر قلب” والتطبيقات التي لا تدعم اثارة الخيال وضعف الإهتمام بالمهارة الفنية هي السائدة في نظم التعليم لدينا، لذلك لاعجب في أن هذه النظم المشلولة فشلت في إنتاج أديسون أو ماري كوري في أيامنا هذه!!
لإنقاذ العلوم ومناهجها، ولمعرفة كيفية الهام جيل جديد من العلماء، فإن انيسا راميريز”عالمة هندسة المواد، والمخترعة، وأُستاذة جامعة ييل “أخذت على عاتقها الاستمرار بالتحدي الذي بدأه اسحق اسيموف* وبشّر به منذ ربع قرن، وهي الدعوة للرفع من القيم العلمية ونقد إخفاقاتها الحاضرة مع نظرة يملؤها الأمل لتحسين مستقبل التعليم العلمي، حيث كتبت في مقدمة كتباها التالي:
“يتطلب القرن 21 نوعاً جديداً من التعلم -إنه ليس ذلك الشخص الذي يمكنه ببساطة أن يسترجع معلومات حفظها عن ظهر قلب، كما كان يحدث في الماضي، ولكنه الطالب الذي يمتلك فكراً واسعاً ولديه الدهاء والذكاء لحل المشاكل التي يواجهها”.
للقيام بذلك تقول راميريز: نحن بحاجة الى استبدال المهارات التقليدية من القراءة والكتابة والحساب بالإبداع، والفضول، والتفكير الناقد، وحل المشكلات-كشفت ابحاث علم النفس الاخيرة، إن التقصي للبحث حول مشكلة ما، هي مهارة أكثر قيمة في التفكير-
ان راميريز تبدأ من الاساسيات: حيث ان الهندسة والرياضيات تعطينا دليلا مهما للإجابة عن الاسئلة الثلاثة التالية: لماذا يحدث شيء ما؟ كيف يمكننا تطبيق هذه المعرفة بطريقة عملية؟ كيف يمكننا وصف ما يجري بإيجاز؟ من خلال هذه الاسئلة، فإن الهندسة والرياضيات سيصبحان هما الطريق للفضول، الإبداع ،والتوق إلى معرفة الامور.
إن رؤى راميريز فائقة الوضوح ومتسقة مع فكرة أكدت عليها كثيرا، من إن الإبداع يعتمد بشكل كبير على ربط قطع تبدو غير متوائمة، تقول راميريز: هناك مدرستان فكريتان تُعرّفان الابداع: الاولى، التفكير المتشعب، والذي هو تشكيل الفكرة الإبداعية الناتجة من توليد الكثير من الافكار، والثانية هي مقاربة جانوسيان، الذي يُعرّف الإبداع على انه خلق روابط بين فكرتين نائيتين عن بعضهما..
الثانية مأخوذة من الاله ذا الوجهين في الحضارة الرومانية ، جانوس، الذي كان حارسا للبوابات ويقوم بالبحث للامام والخلف في نفس الوقت. مقاربة جانوسيان للابداع تتوقف على الاعتقاد بان افضل الافكار تاتي من ربط الاشياء التي لا يبدوا ان رابطا بينها فيما سبق ،او كما يقول عالم الرياضيات الفرنسي ،هنري بوانكاريه: “لخلق شيء مكون من تركيبات جديدة خصبة، فانها غالبا ما تكون قد شُكلت من عناصر مستمدة من المجالات التي هي بعيدة عن بعضها البعض”عنصر اخر ومهم في العملية العلمية وهو دور الجهل ، او ما يطلق عليه الشاعر جون كيتس ببلاغة “القدرة السلبية” او فن الرسم بالفرشاة في مواجهة المجهول والمضي قدما على اية حال ، وكتبت راميريز ما يلي :تدريبي كعالمة باحثة هو الذي سمح لي التحديق بالمجهول وليس الهرب منه، لانني علمت ان هذا الخلطة من الشك والفضول هو المكان الذي يحدث فيه الابتكار والابداع…
حتى الان فان هذه الصفات مفقودة في تعليم العلوم في الولايات المتحدة ، وقد توضح ذلك ، عندما تولى برنامج دولي لتقييم الطلبة استطلاعا سنويا في 2006 ، حيث حازت الولايات المتحدة المركز 35 في الرياضيات والعلوم من 40 دولة شملها الاستطلاع.
ثم تقدّم راميريز عرضا تاريخيا تقول: في ايام الاستعمار كانت الجذور الاولى لظهور الجامعات الامريكية ، حيث كان الدور الرئيسي في التعليم لرجال الدين ، لذلك كانت العلوم والتكنولوجيا والرياضيات لا يشكّل اولوية لديهم، ولكن بعد ذلك جاء جوستين موريل سميث، عضو الكونجرس القليل الشهرة من ولاية فيرمونت الذي بالكاد أكمل دراسته الثانوية ، حيث قام في وضع التشريعات الهادفة والتي غيّرت والى الابد نظام التعليم الامريكي وذلك عام 1861 ، حيث ادت تلك التشريعات الى ان تلتزم اكثر من 70 جامعة وكلية بان تُدّرس مواضيع جديدة في مناهجها الدراسية والتي شملت الهندسة والرياضيات .
بعد ذلك قفزت معدلات الالتحاق بالمدارس والتعليم الجامعي من 2% قبل الحرب الاهلية ، لتتم بذلك زيادة كبيرة ومتنوعة في الاوساط الاكاديمية ، مع التنقيح الثاني للقوانين عام 1890 تم توسيع فرص التعليم لتشمل النساء والامريكيين من اصل افريقي..
لكن ما اعطى تعليم العلوم دفعة قوية حقا هو روح المنافسة في سباق الفضاء . حيث كانت دوافع الولايات المتحدة لانشاء وكالة ناسا ودعم المؤسسة الوطنية للعلوم في بحوثها وتطوير التعليم فيها ، هو خليط من الشعور بالمهانة والاذلال ، حيث اجبر سبوتنيك* الولايات المتحدة الى اعادة التفكير في موقفها من العلم ، واضطرها ذلك الى النظر الصعب في المرآة ، ففي عام 1956 ، اي قبل سبوتنيك، بلغت ميزانية المؤسسة الوطنية للعلوم اقل من 16 مليون دولار، وفي 1958 تضاعفت ثلاث مرات الى حوالي 50 مليون دولار ، وتضاعفت مرة اخرى بعد سنة من ذلك الى 133 مليون دولار ، وبذلك انطلق سباق الفضاء ، حيث بدات الموارد بالانسكاب على العلم وشيدت البنية التحتية لذلك ، وبدأ رأس المال البشري في وضع امريكا على سطح القمر في غضون 10 سنوات ، ومع هذا الهدف التنافسي اصبح تعليم الهندسة والرياضيات اولوية قصوى ..
وترى راميريز ان العودة الى تلك الروح في تعليم العلوم والتي تقدم العلم كاستثمار وطني مهم . الولايات المتحدة لديها تاريخ مميز في تغيير التعليم لتلبية احتياجات البلاد ، فنحن بحاجة الى وضع تشريعات مبتكرة الان لاعداد ابنائنا وبلدنا للقرن 21 ،فنحن حين ننظر في تاريخنا نرى ان هذه امور قد سادت من قبل ، اذن دعونا نواجه هذا التحدي . او كما دعى كيندي “دعونا نستخلص افضل ما في كل واحد منّا”
وتشير راميريز الى المشاكل التي يعاني منها التعليم وعلاقة الجمهور مع الثقافة العلمية وكيفية مواجهتها ، حيث تقول: ان النساء يشكلن 26% فقط من الحاصلين على البكلوريوس في الهندسة والرياضيات وان قلب المشكلة هو الافتراض بان الفتيات لسنّ جيدات في العلوم والرياضيات ، هذه هي العقلية التي تسود في المجتمع مع الاسف ، على الرغم من ان الفتيات والفتيان يجلسون جنبا الى جنب على مقاعد الدراسة في الصف ، الا ان النساء اقل عددا في مهن الهندسة والرياضيات ، هذا بالضبط مثل مزارع يزرع بذورا ثم يحصد نصف الناتج فقط!!
لوضع الحلول الممكنة تنادي راميريز بان الاختبارات الموحدة هي نماذج خاطئة ، والتي لا تمثل كل ابعاد الذكاء ، حيث تكتب قائلة: هناك مفهوم في الفيزياء ان المراقب للتجربة يمكن تغيير النتائج عن طريق فعل المراقبة فقط (وهذا ما يسمى تاثير المراقب)على الرغم من هذه النظرية هي خاصة بالالكترونات والذرات ، الا انها يمكن تطبيقها على المدارس، حيث يتم تقييم المدارس من قبل الحكومات الاتحادية وحكومات الفيدراليات ، ومن خلال الاختبارات يتم تقييم الطلاب بامتحانات موحدة، هذه يجب ان تتغير الى اختبارات من قبل المعلمين والتي تغيّر من مهمة المدرسة لتصبح غارسة لمعرفة واسعة لموضوع ما لاكتساب نتيجة جيدة من الاختبارات.
الولايات المتحدة هي واحدة من اكثر البلدان اخذا بمعيار الاختيار من متعدد ، وعلى الرغم من انها فعّالة في المدارس ، فانها لا توحي بالعلم فهم يفعلون عكس ذلك تماما. وهذه مشكلة كبيرة في تشجيع المهارات في القرن ال21 ، فالاختبار الموحد يعلم المهارات التي هي مضادة للمهارات اللازمة للمستقبل ، مثل الفضول وحل المشكلات ، ووجود علاقة صحيّة مع الفشل . حيث ان الاختبارات الموحدة تصنع الخوف من الفشل، حيث يسعى الطالب الى إجابة محددة، وسوف تكون إما صحيحة أو خاطئة، وفي هذه الاختبارات لا تحتاج الى اظهار عملك وتطويره عادة لئلا تتكشف الامور ، وان الاختيار من متعدد لن يصدم الفضول بعد ان وضعت مجموعة صغيرة من الاجابات الممكنة.
هذه الاختبارات تقوم بانتاج اناس ليسوا على استعداد لمواجهة المخاطر والتعامل مع الفشل ، انه سحق الشعور بالتعجب!راميريز تتسائل -مثلما فعل نعوم تشومسكي المفكر الامريكي- لماذا على المدارس التدريب على اجتياز الاختبارات بدلا من تحقيق الذات الابداعية؟ اما السير كين روبنسون”مستشار في فنون التعليم” فقد دعا ببلاغة لتغيير الطراز المصنّع من التعليم، وتردف راميريز: بينما العلماء يستكشفون الاسباب بحماس ، يكتشفون ويقومون بالتوليف و يقارنون بين التباينات ويربطون بين النقاط ، فان الطلاب يكدحون من اجل الحفظ ويكتفون بالمشاهدة فقط ،انهم يستهلكون بشكل سلبي. الطلاب يمارسون عملية خاطئة ، ان تدريس الهندسة والرياضيات بطرق مقنعة يعطي فرصة للطلاب لاكتساب مهارات التعلم النشط.
راميريز تذهب إلى اقتراح العديد من التغييرات الصغيرة والتحولات الكبيرة في المجتمعات والمربي والمدن والمؤسسات وصانعي السياسات والتي يمكن تنفيذها من وضع واي فاي في الحافلات المدرسية الى مهرجانات العلوم في الجامعات الى مناهج جديدة وطرق جديدة للاختبار، والتي من شانها ان تسد الفجوة بين ماهو تعليم العلوم حاليا ،وما يمكن للثقافة العلمية ان تكون عليها. انها تخلص الى مقولة الفين توفلر الشهيرة :”ان الاميين في القرن 21 لن يكونوا اولئك الذين لا يستطيعون القراءة والكتابة بل اولئك الذين لا يستطيعون التعلم ، فطرح الافكارفاعادة التعلم وفقا لها. مهارات القرن 21 بحاجة الى خلق علماء باحثين قادرين على خلق الروابط ، لهم فضولية غريبة ، يبتدعون حلولا للمشاكل وبامكانهم اتقان فن الكشف عن الامور ، وهم على استعداد لهذا العالم الجديد الشجاع غير المعروف، وهذا افضل ارث نرثه للاجيال القادمة!!
الرابط:http://www.amazon.com/e…/obidos/ASIN/B00B7B0G32/braipick-20