الرئيسية - برمجة وذكاء إصطناعي - إذا كان لدى الحيوانات حقوق، فـهل ينبغي أن يكون لـلروبوتات؟

إذا كان لدى الحيوانات حقوق، فـهل ينبغي أن يكون لـلروبوتات؟

بقلم ناثان هيلر
يمكننا أن نعتبر أنفسنا نظير للحيوان أو حامياً له. لكن ماذا سوف تقرر الروبوتات عنا؟
هارامبي، الغوريلا، وصِف بأنه ذكي وفضولي وشجاع ورائع. ولكن لم يكن حتى الربيع الماضي أصبح هارامبي الشهير أيضاً. في 28 مايو ،طفل صغير كان أيضاً فضولي و شجاع، تعثر بسياج حديقة حيوانات سينسيناتي وسقط في الخندق المائي الذي كان مسكن هارامبي يشاركه فيه اثنين من الغوريلا.
كانت الناس الواقفة أمام السياج تصيح وتبكي وتصدر أصوات للتنبيه، وقف هارامبي يغطي الطفل، كما لو كان يحميه من هذا الضجيج، و بعد ذلك امسكه من كاحله وأخذ يجره خلال الماء مثل الدمية في أرضية غرفة اللعب. للحظة أخذ الطفل من وسطه برقة وأسنده على ساقيه بوضعية بشرية بصورة صحيحة. و بعدها، مع تواصل الضجيج أطاح بالطفل إلى الأمام مرة أخرى، وجره لمنتصف الطريق خلال الخندق المائي.
كان هارامبي فضي اللون يبلغ من العمر سبعة عشر عاماً، حيوان ذو قوة هائلة. عندما فشل حراس الحديقة من جذبه وإبعاده عن الطفل، أطلق احد أفراد فريق الاستجابة للحيوانات الخطرة النار على الغوريلا وارداه قتيلاً.
تم نقل الطفل إلى المستشفى وإخراجه بعد فترة وجيزة، حيث أعلن أنه ليس لدية إصابات خطيرة.
هارامبي باللغة السواحيلية يعني (التكاتف). مع ذلك فأن الأيام التي تلت وفاته أبعدت الناس عن بعضها البعض. (لم نتخذ قرار إطلاق النار على هارامبي عبثاً، ولكن حياة الطفل كانت في خطر) قال موضحاً مدير حديقة الحيوان، ثاين ماينارد. وافقه علماء الرئيسيات إلى حد كبير، ولكن بعض المشاهدين كانوا في حالة ذهول. حيث ظهرت مجموعة في الفايسبوك بأسم تكريم هارامبي، تضم لوحات للمعجبين مع #العدالة لهارامبي، مع التأمل (لعلنا نتذكر دائماً تضحية هارامبي…ارقد في سلام أيها البطل).
مع تجمع تفاصيل قصة الغوريلا في الصحافة، كان كثيراً ما يصور في وكالات الأخبار بشكل أنيق، وهو يجلس القرفصاء مع وضع ذراعه على ركبته اليمنى، يتفكر أمام الكاميرا و يبدو كالممثل شون كونري في سنوات تعافيه. (هذا الغوريلا الجميل فقد حياته لأن والدي الطفل لم يراقبا طفلهما عن قرب) قيل ذلك في عريضة تدعو إلى إجراء تحقيق جنائي. نالت نصف مليون توقيع كما أشارت CNN، من عريضة تدعو إلى وضع رماة تامر رايس في لائحة الاتهام. تصور الناس الأفكار في عقل هارامبي. (ميولنا لرؤية الأفعال من خلال عدسة الإنسان)، أخبر عالم الأعصاب كيرت غراي شبكات الإعلام حين بلغ الهيجان ذروته. (لا يمكننا تخيل كيف هو الحال في الواقع أن نكون غوريلا، يمكننا تخيل فقط كيف هو حال ونحن كغوريلا).
هذه الحقيقة البسيطة مسؤولة عن قرون من النزاع الأخلاقي. أحد نشطاء هارامبي قد يعتقد أن قتل الغوريلا كحماية من فقدان حياة إنسان هو أمر جائر وذلك بسبب التشابه الإدراكي بيننا: طريقة تفكير الغوريلا تشبه إلى حد كبير طريقة تفكيرنا، لذلك فهي تستحق مكانة أخلاقية مشابهة. البعض الأخر قد يعتقد أن الغوريلا تحصل على مكانة ناتجة عن الاختلاف الإدراكي: بسبب القوى المتقدمة لدينا من ناحية العقل والمنطق، نحن نترفع عن لعبة (القط-يأكل-الفأر)، لنكون حماة للحيوانات، من الدجاج إلى الشمبانزي. (كِلا الرأيين يدعمان الحيوانات أكلة اللحوم الغير مضطربة: نحن نقتل الحيوانات لكوننا حيوانات أيضاً، أو بسبب استثناءنا يعني أن الفوز لمصلحة الإنسان)، هذه المعتقدات تتعارض بوضوح، و تشير إلى عدم اليقين فيما إذا كنا أقران أو أسياد بين الكائنات ذوات العقول الأخرى . (الشخص لا يرى نفسه حتى يرى انعكاسه من خلال عين أخرى لغير الإنسان) كتبت العالمة بعلوم الإنسان و الطبيعة لورين أيسلي. في مواجهة التشابه والاختلاف، نحن مضطرون لوضع حد للمدى الأخلاقي لجنسنا البشري.
اليوم، مع ذلك، قد تأتي حسابات من هذا النوع مع إضافة جديدة وغير متوقعة. في العالم الآلي، الأنظار قد لا تتوجه على حيوانات على الإطلاق. هناك فرصة كبيرة أنها ستتوجه الى روبوتات: نوع جديد أكثر انتشاراً من أي وقت مضى للعقل المستقل. على نحو تقليدي، إن الإساءة لتطبيق Siri أو العنف تجاه سيارات بدون سائق لم تصل إلى مستوى هارامبي. و لكن إذا كان التشابه العقلي أو السيادة والتفوق هو معيارنا الأخلاقي، لماذا تكون الحياة الاصطناعية مع العقول المتطورة و تحت وصاية الإنسان معفاة؟ في حين يمكننا تحديد حقوق الحيوانات، لن نكون واضحين حول ما ندين به للروبوتات أو بماذا تدين لنا.
حالة بسيطة قد تكون قادرة على فك بعض من هذه العقد و النزاعات. خذ بنظر الاعتبار السمك. هل يستحق ما قيل بلسان الروائي ديفيد هربرت لورانس (العاطفة، و المفهوم الأخلاقي)؟ العديد من الناس لديهم رد عاطفي و ضمني لهذا السؤال: مستحيل. فقد أحب عيسى المسيح أكل السمك،وعلى ما يبدو انه بعد انبعاثه من جديد أكل بعض من السمك المشوي بنفسه.
قليل من زوار الأحد تعتبر أن الصيد هو تعبير عن الغضب و الفساد (على العكس تماماً)، و طالبي السوشي (الكورو ماغورو) أي التونة السوداء باليابانية هم عرضة للشعور بالألم المفاجئ في محافظهم أكثر من أرواحهم. حيث ليس من السهل أن تحب حياة السمكة، وجزء من ذلك يعود إلى أن السمك نفسه لا يبدو مفتوناً بالحياة. فما هي الفائدة الأخلاقية التي قد يحملها لنا؟
(ما الذي تعرفه السمكة: الحياة داخل أبناء عمومتنا تحت الماء) (عِلم أمريكي/ فارار، ستراوس و جيرو) هو البحث الشامل ل جوناثان بالكومب و المكتوب بشكل رائع للنقاش حول المطالب الأخلاقية للسمك، باختصار شديد هو يعتقد أننا نُدين لها بالكثير. “عندما تشعر بوجودنا السمكة، نحن ندخل في عالم واعي لكائن أخر” بالكومب، مدير جمعية الرفق بالحيوان الخاص بوعي وأحاسيس الحيوان، كَتب “الأدلة تشير إلى وجود مجموعة من المشاعر لدى بعض الأسماك على الأقل، بما فيها الخوف، التوتر، اللعب، المرح و الفضول.” بالكومب يتمنى الفرح للأسماك (صيغة الجمع التي يفضلها على “السمك”، الأفضل الإشارة إليهم على أنهم أفراد) قد يبدو الأمر غريب على القراء الذين ينظرون إلى أعين سمكة القاروص و لا يرون شيئاً. لكنه يشير إلى أن مثل هذه اللامبالاة تعكس تحيز. لأن تجربة الأسماك – و من ضمنها تجربة العديد من المخلوقات من الدرجة الأدنى – قريبة لنا أكثر من ما نعتقد.
تشير دراسات عديدة إلى أن الطريقة التي تنسحب فيها يدك من الموقد الساخن بشكل لاإرادي ليست مجرد إستجابة عكسية بل شعور بالألم! ستضرب دماغك الواعي. لهذا السبب وغيره، يعتقد بالكومب أن سلوك السمك أكثر ثراء في النية مما كان يُعتقد سابقاً. هو يستطلع نهج سمك القوبيون، الذي يحفظ تضاريس المنطقة عند سباحته، و بعدها عندما يكون المد منخفضاً، يستخدم تلك الخريطة الذهنية ليقفز من حوض إلى أخر. السمك المهرج بارع في استخدام الأدوات (فهو يحمل قوقعة المحار معه لتحطيم الصخور المختارة بدقة)، في حين سي كلينر أو سمك الدكتور تتفوق على الشمبانزي في بعض اختبارات التعلم الاستقرائي. بعض الأسماك تذهب بعكس اتجاه المجموعة. ليس كل أسماك السلمون تسبح إلى أعلى النهر، تبيض وتموت. فقد تعلمنا أن عدد قليل منها يدور و يسبح إلى الوراء ويفعل ذلك مجدداً.
هذا مجرد غوص قصير إلى إمكانية سيكولوجية السمك . يستمتع بعض السمك المتوتر بالتدليك، حيث يقترب من الأجسام التي تستطيع أن تفرك جنوبهم بها حتى ينخفض مستوى هرمون الكورتيزول. ذكر سمكة المنفاخ الكروية يتباهى بنفخ ماندلات هندسية متقنة في الرمال و تزينها، وفقاً لذوقها مع الصدف.
قدم بالكومب تقريراً يقول بأن أنثى سمك السلمون المرقط البني تتصنع ما يعادل نشوة سمك السلمون المرقط. ربما القليل من ذكور سمك السلمون المرقط يعلم ما يعني هذا بشكل أكيد.
يعتقد بالكومب أن فكرة الأسماك ليست مثلنا نشأت من فكرة التحيز: يمكننا أن نتعاطف مع الهامستر، الذي يرمش ويمسك الطعام في كفيه الصغيرتين، ولكن الأسماك عديمة الأصابع ولا ترمش تبدو إلى حد كبير (كائنات أخرى). على الرغم من أن أدمغة السمك صغيرة، فأن الاعتقاد أنها غبية، هو كمثل شخص مثير يخبره (كالجدال حول أن البالونات لا تستطيع الطيران لأنها لا تمتلك أجنحة). يبالغ بالكومب يبالغ، وكتابه يتخلله بعض الغرابة، والتجسيم لحكايات بعض الناس يتشاركون لحظاتهم الخاصة مع أصدقائهم ذوي العيون الجاحظة. ولكن وجهة نظره صحيحة. أننا إذا اعتبرنا السمك نظير لنا بالإدراك، فأنه يجب أن يتم ضمهم إلى دائرة الواجب الأخلاقي الخاصة بنا.
تأتي النزاعات عند نقاط الحدود. هل يجب أن نعتبر قتل البعوضة شيء غير أخلاقي؟ إذا كانت هذه الحشرات لا تستحق اعتبارات أخلاقية، فما هي الخاصية الحاسمة التي تفتقر لها؟ كتاب جدير بالاهتمام من قبل أساتذة القانون في جامعة كورنيل “شيري ف كولب و مايكل س دورف” ، (القلوب التي تنبض: الإجهاض و حقوق الحيوان) “كولومبيا”، يستكشف التحديات لهذه الحدود التي تم تحديدها. يشير المؤلفان إلى أن هناك تداخل كبير وبشكل غريب بين أنصار حقوق الحيوان و أنصار معارضة الإجهاض. أليس من المفروض أن الأساس المنطقي لعدم إنهاء حياة الحيوانات الأبسط من الناحية العصبية، كالسمك، يتشارك مع الأساس المنطقي لعدم إنهاء الأجنة؟ كولب و دورف نباتيان مناصران للإجهاض (رحلتنا الخاصة إلى النباتية تبدأ من خبرتنا في مشاركة حياتنا مع كلابنا)، لذلك، رغم ملاحظتهما لهذا التناقض، هم لا يعتقدان أن مبدأ المعيار المزدوج مستخدم في هذه الحالة.
الفارق الكبير في هذا النقاش والجدال ، هو (الإحساس)، الكثير من الحيوانات تمتلكه، أما البيضات الملقحة والأجنة فلا تمتلكه، يعرفان كولب و دورف الإحساس على أنه (القدرة على الحصول على خبرات شخصية)، وهذا شيء معقد قليلاً، لأن شخصية الحيوان هو ما يصعب علينا تحديدها. مقالة مشهورة بعنوان (كيف هو الحال عندما تكون خفاش؟) بقلم الفيلسوف توماس نايجل، تشير إلى أنه حتى عندما يبدأ البشر بالطيران و أكل الحشرات و التنقل من خلال موجات السونار لن يتمكنوا من الحصول على خبرة الخفاش بالكامل، ولا على شخصية الخفاش التي تطورت منذ ولادته. يقع كولب و دورف أحياناً في مثل هذا الفخ. في إحدى المقاطع، يشيران إلى أنه ليس من المهم فيما إذا كانت الحيوانات تدرك الألم، لأن (الألم الأكثر حرقة يقع عندما يكون الشخص غير قادر على فهم الألم أو أي شيء أخر) قراءة بشرية جداً لهذه التجربة.
مع ذلك الحيوانات من الواضح أنها تتفاعل مع العالم بشكل مختلف عن تفاعل النباتات والأشياء الأخرى. فالكوخ المصنوع من العشب لا يهتم فيما إذا تم حرقه أو تُرك سليماً. ولكن المتهم بالزندقة في المحرقة سيرغب حتماً في عدم إشعاله، و كذلك، على الأرجح الخنزير على السيخ. يشير كولب و دورف  إلى ذلك بوجود (مصالح)، مصطلح قد لا ينال رضاهم بالكامل، يحمل إيحاءات من مذهب المنفعة، المدرسة الأخلاقية في الفكر القائمة على السعي لتحقيق أكبر فائدة ممكنة على الإطلاق. جيريمي بنثام مؤسسها ذكر الحيوانات في الهامش الرنان لكتابه (مقدمة لمبادئ الأخلاق والتشريع) (1789):
قد يأتي يوم تحصل باقي خليقة الحيوانات على تلك الحقوق التي حجبت عنها على يد الطغيان والاستبداد…ليس السؤال فيما اذا كانت تستطيع الإدراك؟ ولا، هل تستطيع التحدث؟ و لكن، هل تعاني؟
 أشار الفيلسوف بيتر سينغر في كتابه (تحرير الحيوان) (1975)، إذا كانت الحيوانات تعاني ألا ينبغي إدراجهم في حساب التفاضل والتكامل لتقليل الألم؟ هذه المقاربة للأقران لها مزايا: إنها ترسخ المطالب الأخلاقية للحيوانات دون إبراز الدوافع البشرية عليها. و لكنها تقدم مشاكل أخرى. ضرب جارك بالهراوة هو أسوء من تسميم فأر. كيف نقول ذلك، بالرغم من أنه إذا كانت معاناة الكيان هي المسألة الأكثر أهمية؟
إجابة سينغر ستكون الأكثر منفعة: لا يتعلق الأمر بالكائن، بل يتعلق بالنظام ككل. قتل جارك سينشر المزيد من الألم أكثر من وفاة الفأر. مع ذلك، المواقف التي يتحتم علينا فيها الاختيار بين حياة الحيوان والحياة البشرية هي نادرة، و التقليل من معاناة الحيوانات عادة ما تكون سهلة. يمكننا إيقاف دخول الأبقار إلى داخل الثرامات الآلية. يمكننا شواء قطع التوفو بدلاً من أفخاذ الدجاج. معظم الناس حين يطلب منهم إغراق قطة، سيشعرون بألم معنوي مفاجئ. الأمر الذي يدل على أننا في مرحلة معينة نعلم بمعاناة الأشياء حولنا. الشائبة هنا أن استشعارنا للألم غير موثوق به بشكل ملحوظ. نحن نشعر بهذا الألم المعنوي المفاجئ بشأن الجماد أيضاً، على سبيل المثال، الروبوتات، التي لا تعاني على الإطلاق.
في الصيف الماضي، وضع مجموعة من مهندسي الروبوتات من كندا اختراع غريب في شوارع الولايات المتحدة أطلقوا عليه اسم ((hitchbot ، ليس لأنه كان مُدخن شره مناقض ومتذوق لويسكي (جوني والكر الأسود)_فالكون ليس بهذا السخاء_ وإنما لأنه مبرمج للتنقل بحرية. مرتدياً حذاء يقيه من المطر، مع ابتسامة منقطة حمقاء على الشاشة “وجهه”. كان يفترض على ((hitchbot أن يسافر من (سايلم، ماساتشوستس) إلى (سان فرانسيسكو)، وذلك من خلال إبهام ممدود وصوت ذو استجابة سريعة و شخصية جذابة. الرحلات السابقة، عبر كندا وحول أوربا، كانت مشجعة: وصل الروبوت إلى وجهته دائماً. لمدة أسبوعين تجول ((hitchbot في شمال شرق البلاد, قائلاً أشياء مبتكرة مثل “هل ترغب في إجراء محادثة؟ … لدي اهتمام بالإنسانية.” ثم اختفى.
في الأول من أغسطس، وجد بجانب جدار من الطوب في (فيلادلفيا)، مضروب ضربا مبرحاً ومقطوع الرأس. ويده قد مزقت تماماً.
كانت الاستجابة سريعة. كتب صحفي على التويتر “أنا لا أستطيع الكذب, ما زلت مدمر نفسياً لموت ((hitchbot،” . “تدمير ((hitchbot هو تذكير أخر لنا على أن مجتمعنا لديه طريق طويل ليقطعه” أحد المدونين قد كتب.
قدرة البشر على استحداث مشاعر دافئة وحميمة تجاه الروبوتات هي أساس لحبكة فلم سينمائي ضخم مثل (WALL-E) و (A.l) وعلى قمتها عالم (Star Wars)، مكان يشمل العديد من أجيال الروبوتات المثيرة والأشخاص المملين. لكن هذا الرأي ينطبق على العوالم الحقيقية أيضاً. في إحدى المرات، مهندس روبوتات في المختبر الوطني لـ(لوس ألاموس) أنشأ روبوت غير محبوب، بهيئة الحريش (أم أربع وأربعين)، مصمّم لإزالة الألغام البرية من خلال الزحف إلى الأمام حتى تنفجر كل سيقانه. خلال مرحلة تجريب تشغيله في (أريزونا), عقيد في الجيش أمر بإيقاف التجربة، لأنه وفقاً لصحيفة (الواشنطن بوست)، قد وجد بأن العنف اتجاه الروبوتات هو أمر غير “انساني”.
وفق معيار (سينغر)، هذا كلام فارغ. الروبوتات ليسوا أحياء، ونحن نعرف على وجه اليقين أنهم لا يعانون. لماذا إذاً حتى العقيد الأكثر صلابة يشعر بوجود ظل من المسؤولية الأخلاقية نحو مثل هذه الأنظمة؟ باحثة باسم (كيت دارلنغ)، لها انتماءات مع (معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، جامعة هارفرد، وجامعة ييل) كانت تحاول مؤخراً أن تفهم ما هو على المحك في مثل هذه الروابط مع الروبوتات.
في تقرير لها، سمّت ثلاثة عوامل:
من الناحية البدنية (الكائن “الشيء”موجود في عالمنا, وليس على شاشة)، حركة ذاتية واعية (الكائن “الشيء” يتنقل كما لو كان لديه عقل خاص به)، والسلوك الاجتماعي (الروبوت مبرمج لتقليد التلميحات و الإشارات ذات الطابع البشري). في تجربة قامت بها (دارلنغ) وزملائها, قُدّم للمشتركين روبوتات نوع (بيلو)-روبوتات صغيرة على هيئة ديناصور صغير من نوع (كامراصور)_ تم إعطائهم تعليمات للتفاعل مع هذه الروبوتات. و قيل لهم بعد ذلك أن يقوموا بربط ال(بيلوس) وضربهم حتى الموت. البعض رفض، والبعض الآخر حمى ال(بيلوس) من ضربات الآخرين. واحدة من النساء أزالت البطاريات من روبوتها لـ”تجنبه الألم”. في النهاية، تم إقناع المشاركين بالـ”تضحية” بـ(بيلو) لعتق الآخرين من مصيرهم.
تقترح (دارلنغ)، في محاولة لتفسير هذا السلوك أن نفورنا من الإساءة للآلات الشبيه بالكائن الحي يأتي من “القيم الاجتماعية”. عندما يعلم الجزء العقلاني من أذهاننا بأن ال”بيلو” هو فقط مجموعة من الدوائر الكهربائية، معدات، وبرمجيات_آلة يمكن إيقاف تشغيلها، مثل آلة تحضير القهوة_ غير أن دوافعنا العاطفية يتم خداعها، ولأنه تم خداعها، فأن ضرب الروبوت يؤدي إلى تدريبها السلوك السيء.
(هذا هو المبدأ الأساسي للمسلسل الجديد المشهور (العالم الغربي-Westworld) الذي يعرض على قناة (HBO)، يعتمد على أن الإساءة إلى الروبوتات المتطورة هو تجسيد للخيانة و الغدر البشري).
“هناك قلق من أن إساءة معاملة كائن لديه ردّة فعل شبه حقيقية قد تؤثر على الشعور العام في التعاطف الذي نشعر به عند التفاعل مع كيانات أخرى” كتبت (دارلنغ). المشكلة في تعذيب الروبوت، بمعنى آخر، ليس له علاقة بماهية الروبوت، و إنما له كل العلاقة بما نخشاه بشدة داخل أنفسنا.
هذه المخاوف، هي كالأنهار التي تتدفق في قلب ولاية ميسيسيبي، تأخذ نهج انقسام تاريخي كبير في الأخلاق. على أحد الضفاف يتواجد ناس، مثل بنثام، الذي يعتقد أن الأخلاق تحددها النتائج. (فمن الناحية الأخلاقية يمكنك الكذب بشأن قصة شعر صديقك التي تظهره كشخص مختل عقلياً، لأن قول الحقيقة ستجلب التعاسة لكل الأشخاص المعنين). على الضفة الأخرى من النهر الأشخاص الذين يعتقدون أن الأخلاق تستند على الحقوق والقواعد. (الشخص الذي لديه أخلاق لا يمكن أن يكون كاذب شديد الحساسية، حتى بشأن قصة شعر). وقد مالت أخلاقيات الحيوان لصالح المجموعة الأولى: فقد تم حث الناس على التفكر بآثار أفعالهم على الكائنات الحية. ولكن الأبحاث مثل تلك الخاصة ب دارلينغ تجعلنا نتساءل فيما إذا كان الطريق
إلى الأمام يستند على المجموعة الثانية، المحاسبة في الحقوق والواجبات، بدلاً من حساب العواقب.
خذ بعين الاعتبار المنطق أو اللا منطق في قوانين حماية الحيوانات. ولاية نيويورك مثلاً تمنع إلحاق الألم بالحيوانات الأليفة ولكن تسمح بنصب الأشراك للثعالب، تحظر قتل الحيوانات ذات الفرو كفأر المسك بالكهرباء، ولكن ليس للحيوانات ذات الفراء كالجرذ، وتمنع رسم الأوشام للزينة على كلبك ولكن ليس على البقرة الخاصة بك. كما تقولها دارلينغ (رغبتنا الواضحة لحماية الحيوانات التي يمكننا بسهولة التشبه بها تشير إلى أننا قد نهتم بحالتنا العاطفية أكثر من أي معايير بيولوجية موضوعية). هي تقتدي ب كنت، الذي رأى أن أخلاقيات الحيوان ما هي إلا لخدمة البشر. فإذا قام رجل بإطلاق النار على كلبه… هو بالتالي سيضر صفات العطف والإنسانية في نفسه، كتب في “محاضرات في الأخلاق” (الشخص الذي يظهر مثل هكذا قسوة تجاه الحيوانات لن يكون أقل من ذلك تجاه البشر).
هذه ليست أخلاقيات لأقران. إنها تبدو كوصاية سلبية، مع سعي البشر لتمجيد إنسانيتهم، والحيوانات أو الروبوتات تستفيد من آثار نظرية الانسياب (نظرية انسياب الشيء من الطبقة الأعلى إلى الطبقة الأدنى) لهذا المسعى. تشير دارلنغ إلى أنها تناسب عصر يلتف فيه البشر، الحيوانات و الروبوتات سوياً. هل نتوقع من أطفالنا ذوي الستة عشر شهراً أن يكونوا على دراية لماذا أن جر ذيل القطة يعتبر تصرفاً قاسياً ولكن من المقبول أخلاقياً مطاردة روبوت المكنسة الكهربائية “رومبا”؟ ألا نريد تربية أطفالنا على عدم ترويع أي شيء نابض بالحياة، بغض النظر عن الوجود الافتراضي له؟ إلى الجيل القادم الذي هو الآن يرتدي الحفاظات، إجراء محادثة مع الذكاء الاصطناعي “سين” حالة طبيعية في عالمنا. نحن نتحدث مع أصدقائنا، نتحدث إلى أجهزتنا، ندلل كلابنا، نعانق أحبائنا. في تدفق الحياة العصرية، تأكيد كَنت أن الحقوق محفوظة فقط على الفعل بين إنسان وإنسان أخر يبدو مقيداً بشكل غير مفيد.
هنا قد يتأثر خبراء علم الأخلاقيات، كالممثل غاستون مودوت في المسلسل الفرنسي الكوميدي”العصر الذهبي”، لركل كلب صغير في سخط. فكرة مخاطبة الكائنات الأخرى كأقران تبدو غير نافعة: فمن غير الواضح أين تبدأ حدود التشابه، و الجهود المبذولة للتوصل إلى ذلك تقف عند عقبة تحيزنا و تصوراتنا الخاطئة. ولكن لعب دور الأوصياء الرئيسين يجعل المخلوقات الأخرى تنحدر إلى مستوى أدنى، وفكرة أن البشر هم السادة المميزون في الكون، يتحكمون من الذي سيعيش و ينمو و يموت، تبدو قديمة وقد عفا عليها الزمن. بينثاميتس مثل بيتر سينغر يمكن أن يعلق هو أيضاً في النقائض الغريبة إذا كان تجنب المعاناة هو الهدف، فأن هناك القليل من الأسس المبدئية للاعتراض على انقراض غير مؤلم لصنف كامل من الحيوانات.
إلى أين نتجه؟ قبل بضع سنوات، كريستين م. كورسجارد، فيلسوفة من جامعة هارفارد و طالبة كَنت، بدأت العمل على قضية كَنت لحقوق الحيوان (على أساس مبادئ الحرية الشخصية بدلاً من كل حالة على حدا من المعاناة، مثل سينغر). أول عقبة لها كانت في كَنت نفسه. حيث اعتقد كَنت أن الحقوق نشأت من الإرادة العقلانية، فاسحاً المجال أمام كل شخص للتصرف حسب ما يعتقد هو أو هي على أنه شيء جيد دون طغيان تفكير الآخرين. (حقوق ملكيتي تمنعك من وضع حوض استحمام بالماء الساخن في حديقتي الأمامية، حتى لو كنت ترى أن ذلك شيءً جيداً. هذا يمنحني الحرية المطلقة لاستخدام حديقتي في أي شيء أراه جيداً لا ينطوي بأي شكل على حوض سباحة). الحيوانات لا تستطيع الاختيار بشكل منطقي، أشار كَنت، لذا أن حرية الحقوق ستضيع فيهم. إذا طلب من الطائر الطنان – شارب الرحيق ممارسة إرادته إلى أعلى مستوى عقلاني، سيبقى يطير من زهرة إلى زهرة.
ناقشت كورسجارد أن تعليق كل شيء على الاختيار العقلاني هو شيء يصرف الانتباه عن المسألة الحقيقية، لأن البشر، مع ذلك، حتى بالنسبة لكَنت، ليسوا كائنات عقلانية فقط. و إنما يتصرفون بناءً على دوافعهم أيضاً. الدافع الأساسي للفعل، باعتقادها، ينشأ بدلاً من ذلك من القدرة على تجربة أشياء جيدة و سيئة، والتي هي سمة يتشارك معنا بها الحيوان. إذا كنا، نحن البشر، نطالب بحقوق الكلاب ذهنياً وجسدياً كمطالبتنا بحقوق ملكيتنا لحديقة المنزل، فنحن نمارس في تلك الحالة قوة استبدادية، و القوة الاستبدادية هي ما يحاول كَنت تجنبه. لذلك، بناءً على مبادئه، الحيوانات يجب أن تمتلك الحرية، وهي أن يمتلكون حقوق ملكية لأجسادهم.
هذا الرأي لا يتطلب وزن الحيوانات من ناحية الصفات المجردة كالذكاء، الوعي، أو الحساسية. بدقة أكثر، هو لا يأمرنا حتى بعدم أكل البيض المسلوق أو لحم الغزال. بل تمتد القيم التنويرية إلى، الحق في الاختيار في الحياة، الحرية الفردية على الطغيان، للمخلوقات التي قد تكون تحت وصايتنا. هو يقول، دعوا الدجاج يتنقل بحرية!. أعطوا سمك السلمون فرصة ليتغلب بذكائه على الشبكة في المحيط، بدلاً من العيش كالعبيد في الأحواض المائية. لا يمكننا التأكد فيما إذا كان الدجاج و السمك يهتم، ولكن بالنسبة لنا، نحن البشر، هذه المعايير هي المفتاح لتجنب السلوك الاستبدادي.
يبدو أن الروبوتات ابعد ما يكون عن الإنسانية، كونها تفتقر إلى الحرية الجسدية. (سيارتك التي تقود نفسها لا تستطيع أن تقرر من تلقاء نفسها الذهاب إلى الشاطئ). و لكن الوثبات التي حدثت في تعلم الآلة، والتي هي برمجة الذكاء الاصطناعي على تعليم نفسه، بدأت تضغط على هذا الافتراض. هل للروبوتات حقوق مستحقة؟ جون ماركوف، صحفي مختص في التكنولوجيا لدى مجلة تايمز، يثير هذا السؤال في “الآلات من السمو الناشئ من الحب ” (إيكو). إن المسألة ممتلئة، يرجع ذلك جزئياً إلى أن أدمغة الروبوتات بعكس الحيوانات مصنوعة بصورة مشابهة للإنسان، لديهم القدرة على تحدينا والتغلب علينا في لعبتنا. يُفّصل ماركوف الخوف الشائع بأن الروبوتات ستخنق الطبقة الوسطى. “التكنولوجيا لن تكون منبعاً للنمو الاقتصادي، ولكن بدلاً من ذلك ستشكل خطراً على كافة الأعمال الروتينية المبنية على المهارات، هذا الأمر يتطلب القدرة على أداء أنواع مختلفة من العمل الإدراكي”. لا تقلق فقط من قيام الروبوتات بإزالة وظيفتك من على خط التجميع، بعبارات أخرى، اقلق بشأن مفاجأتهم للخبراء على طاولة الفحص أو على ارض الوساطة المالية (بيع وشراء الأسهم). لا يوجد أي جدار سيحرس وظائف الولايات المتحدة من التجاوز الكبير الذي سيحدث في السنوات القادمة. الروبوتات هي ثمرة الإبداع الأمريكية، وهم الآن ككل، يتعلمون كل ما نعرفه.
هذا المستقبل يحثنا الآن على وضع أهدافنا المعنوية بشكل منتظم. تمرد الروبوت لن يأخذ على الأرجح منحى المعركة بين البشر المخلصين ضد حشد من الآلات الأشرار. بل من المرجح أن يحدث بطريقة بدأت الآن بالفعل: من خلال التعايش مع أشياء ذكية و رخيصة ذات تمكين والتي سنرحب بها في حياتنا اليومية. التلفونات اليوم ترفع ذاكرتنا، الدردشة المتكاملة تجنبنا موسيقى الانتظار لدى خدمة الزبائن، تطبيقات تجعلنا نلاحق البوكيمون في أنحاء الأرض. تجربة الإنسان الآلي هي هنا الآن، و هي تؤلمنا ليس لأنها قاسية ولكن لأنها تجعلنا ننتبه إلى حدود أنفسنا.
المشكلة الكلاسيكية في برمجة السيارات ذاتية القيادة تتعلق بتجنب الحوادث. ما الذي يجب على السيارة أن تفعله إذا كان عليها الاختيار بين الانحراف باتجاه حشد من عشرة أشخاص أو الاصطدام بجدار وقتل صاحب السيارة؟ هذا المأزق ليس فقط أخلاقي ولكن تجاري أيضاً (هل ستشتري سيارة مبرمجة على قتلك في ظل ظروف معينة؟)، و هو مرآة للقرارات الصعبة، التي نتخذها كبشر ولكن نغض النظر عنها. الحافة الخطرة للذكاء الاصطناعي ليست في الحقيقة “هال9000″، الآلة المحتالة التي لا ترغب بأن يتم إغلاقها. هي السيارة التي تحتسب بشكل أخلاقي، الطائرة العسكرية بلا طيار: الروبوتات التي تفعل ما نريد بالضبط، و تجعل سلوكنا الأخلاقي آلياً نتيجة لذلك.
هناك نهج عصري في العلوم الإنسانية الأكاديمية في الوقت الحالي هو “بَعد الإنسانية”، الذي يسعى إلى تجنب الافتراض الشائع خلال التنوير، و لكن التساؤل المبني على المعرفة الحالية، وهي أن هناك شيء سحري في الإنسانية. القليل من علماء بعد الإنسانية، مثل ن. كاثرين هايلز، التفتوا إلى الإنسان الآلي، سواء ضمن التيار (التفكر في التكنولوجيا القابلة للارتداء) أو بشكل متطرف، تحدي الأفكار القديمة حول أن العقل و الجسم يمثلان رزمة كاملة منك. آخرون، مثل كاري وولف، أشاروا إلى أن الأعضاء الاصطناعية، تبنّي ما هو خارجي، يمكن أن يكون جزء من حياة الحيوان أيضاً.
بَعد الإنسانية ينهي جذوره، لا محالة، في مكان يشبه كثيراً الإنسانية، أو على الأقل الإنسان. كبشر، نحن ندرك أنفسنا بشكل كامل من خلال التفرد، مثل أغلب الحيوانات و الروبوتات، نحن نقترب من النضج من خلال أخذ عادات العالم من حولنا، و من خلال استخدام الأدوات ببراعة. إن مخاطر هذا المشروع حقيقية. هارامبي، ولد في حديقة حيوان، و سكن في عالم من اختراع البشر، و توفي نتيجة لذلك. حقيقة أن الأمر لا يزال يطاردنا حتى الآن هو أفضل ميزة لدى جنسنا البشري. و أن نكرم الأشباح أكثر من الأحياء هو أسوءها.
المصدر: هنا

عن Iraqi Tanslation Project